محمد بن جرير الطبري
314
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
تأوّل ذلك أنه بمعنى : مَثل الذين كفروا في ندائهم الآلهة ودُعائهم إياها . * * * فإن قال قائل : وما دليلك على أنّ المقصود بهذه الآية اليهود ؟ قيل : دليلنا على ذلك مَا قبلها من الآيات وما بعدها ، فإنهم هم المعنيون به . فكان ما بينهما بأن يكون خبرًا عنهم ، أحق وأولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم ، حتى تأتي الأدلة واضحةً بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم . هذا ، مع ما ذكرنا من الأخبار عَمن ذكرنا عنه أنها فيهم نزلت ، والرواية التي روينا عن ابن عباس أنّ الآية التي قبل هذه الآية نزلت فيهم . ( 1 ) وبما قُلنا من أن هذه الآية معنيّ بها
--> ( 1 ) هذا موضع مشكل في كلام أبي جعفر رضي الله عنه ، كان ينبغي أن يبينه فضل بيان . فإن صدر عبارته قاض بأن كل الآيات التي قبل هذه الآية نزلت في يهود ، وليس كذلك . ثم عاد بعد قليل يقول : " هذا مع الرواية التي رويناها عن ابن عباس أن الآية التي قبل هذه الآية نزلت فيهم " - يعني في يهود . ولو كان الأمر كما يفهم من صدر عبارته ، لم يكن لنصه بعد ذلك على أن الآية التي " قبل هذه الآية " نزلت فيهم ، فيما روي عن ابن عباس - معنى مفهوم . والظاهر أن أبا جعفر كان أراد أن يقول : إن الآيات السالفة نزلت في اليهود - إلا الآيات الأخيرة من أول قوله : " إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار " إلى قوله : " وإلهكم إله وحد " ( 163 - 170 ) ، فهي قد نزلت في كفار العرب ، وذكر ابن عباس أن الآية الأخيرة : ( 170 ) نزلت في يهود أيضًا . ثم إن الآيات بعدها هي ولا شك في يهود وأهل الكتاب ، فلذلك حمل معنى الآية هذه أنه مراد به اليهود . فكأنه جعل الآيات من ( 163 - 169 ) اعتراضًا في سرد قصة واحدة ، هي قصة يهود . فإن لم يكن ذلك كذلك ، فلست أدري كيف يتسق كلامه . فهو منذ بدأ في تفسير هذه الآيات من 163 - 169 لم يذكر إلا أهل الشرك وحدهم ، وبين أن المقصود بقوله تعالى : " يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبًا " - هم الذين حرموا على أنفسهم البحائر والسوائب والوصائل ( ص 300 ) ، ثم عاد في تأويل قوله تعالى : " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " فقال : فهو ما كانوا يحرمون من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي ( ص 303 ) . واليهود ، كما أنهم لم يكونوا أهل أوثان يعبدونها ، أو أصنام يعظمونها كما قال أبو جعفر ، فهم أيضًا لم يحرموا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة كما ذكر في تفسير الآيات السالفة . فهذا تناقض منه ر حمه الله - إلا إذا حمل كلامه على استثناء الآيات التي ذكرت أنه فسرها على أنه مراد بها مشركوا العرب الذين حرموا على أنفسهم ما حرموا من البحائر والسوائب والوصائل . والصواب من القول عندي ، أن هذه الآية تابعة للآيات السالفة ، وأن قصتها شبيهة بقصة ما قبلها في ذكر المشركين الذي قال الله لهم : " يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبًا " ، وأن العود إلى قصة أهل الكتاب هو من أول قوله تعالى : " إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب " والآيات التي تليها . وانظر ما سيأتي : 317 ، فإنه قد عاد هناك ، فجعل الآية خاصة بالمشركين من أهل الجاهلية ، بذكره ما حرموا على أنفسهم من المطاعم ، وهو تناقض شديد .