محمد بن جرير الطبري
311
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ونعيقِه بها . فأضيف " المثل " إلى الذين كفروا ، وترك ذكر " الوعظ والواعظ " ، لدلالة الكلام على ذلك . كما يقال : " إذا لقيت فلانًا فعظِّمه تعظيمَ السلطان " ، يراد به : كما تعظم السلطانَ ، وكما قال الشاعر : فَلَسْتُ مُسَلِّمًا مَا دُمْتُ حَيًّا . . . عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأمِير ( 1 ) يراد به : كما يُسلِّم على الأمير . وقد يحتمل أن يكون المعنى - على هذا التأويل الذي تأوله هؤلاء - : ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم عن الله وعن رسوله ، كمثل المنعوق به من البهائم ، الذي لا يَفقه من الأمر والنهي غير الصوت . وذلك أنه لو قيل له : " اعتلف ، أورِدِ الماء " ، لم يدر ما يقال له غير الصوت الذي يسمعه من قائله . فكذلك الكافر ، مَثله في قلة فهمه لما يؤمر به وينهى عنه - بسوء تدبُّره إياه وقلة نظره وفكره فيه - مَثلُ هذا المنعوق به فيما أمِر به ونُهِي عنه . فيكون المعنى للمنعوق به ، والكلام خارجٌ على الناعق ، كما قال نابغة بني ذبيان : وَقَدْ خِفْتُ ، حَتَّى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي . . . عَلَى وَعِلٍ فِي ذِي المَطَارَة عَاقِلِ ( 2 ) والمعنى : حتى مَا تزيدُ مخافة الوعل على مخافتي ، وكما قال الآخر : ( 3 )
--> ( 1 ) مضى تخريج هذا البيت في هذا الجزء : 281 تعليق : 1 ، وهذا القول في تفسير الآية ذكره الفراء في معاني القرآن 1 : 100 . ( 2 ) ديوانه : 90 ، وسيأتي في التفسير 30 : 146 ( بولاق ) ، ومجاز القرآن : 65 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 99 ، ومشكل القرآن : 151 ، والإنصاف : 164 ، وأمالي بن الشجري 1 : 52 ، 324 ، وأمال الشريف 1 : 202 ، 216 ، ومعجم ما استعجم : 1238 . وهو من قصيدة مضى منها تخريج بيت في هذا الجزء : 213 . وقوله : " ذي المطارة " ( بفتح الميم ) ، وهو اسم جبل . وعاقل : قد عقل في رأس الجبل ، لجأ إليه واعتصم به وامتنع . والوعل : تيس الجبل : يتحصن بوزره من الصياد . وقد ذكر البكري أنه رأى لابن الأعرابي أنه يعني بذي المطارة ( بضم الميم ) ناقته ، وأنها مطارة الفؤاد من النشاط والمرح . ويعني بذلك : ما عليها من الرحل والأداة . يقول : كأني على رحل هذه الناقة وعلى عاقل من الخوف والفرق . ( 3 ) النابغة الجعدي .