محمد بن جرير الطبري
300
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : يا أيّها الناسُ كلوا مما أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم فطيَّبْته لكم - مما تُحرِّمونه عَلى أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل وما أشبه ذلك مما لم أحرِّمه عليكم = دون مَا حرَّمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجَّسته من مَيتة ودم ولحم خنزير وما أهِلّ به لغيري . ودَعوا خُطوات الشيطان - الذي يوبقكم فيهلككم ، ويوردكم مَوارد العطب ، ويحرّم عليكم أموالكم - فلا تتبعوها ولا تعملوا بها ، إنه = يعني بقوله : " إنه " إنّ الشيطان ، و " الهاء " في قوله : " إنه " عائدة على الشيطان = لكم أيها الناس " عدو مُبين " ، يعني : أنه قد أبان لكم عَداوته ، بإبائه عن السجود لأبيكم ، وغُروره إياه حَتى أخرجه من الجنة ، واستزله بالخطيئة ، وأكل من الشجرة . يقول تعالى ذكره : فلا تنتصحوه ، أيها الناس ، مع إبانته لكم العداوة ، ودعوا ما يأمركم به ، والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحللته لكم وحرَّمته عليكم ، دون ما حرمتموه أنتم على أنفسكم وحللتموه ، طاعة منكم للشيطان واتباعًا لأمره . * * * ومعنى قوله : " حَلالا " ، طِلْقًا . ( 1 ) وهو مصدر من قول القائل : " قد حَلَّ لك هذا الشيء " ، أي صار لك مُطلقًا ، ( 2 ) " فهو يَحِلُّ لك حَلالا وحِلا " ، ومن
--> ( 1 ) الطلق ( بكسر فسكون ) . الحلال . يقال : هو لك طلق ، أي حلال . وفي الحديث : " الخيل طلق " ، أي أن الرهان عليها حلال . ( 2 ) هكذا في المطبوعة ، وأخشى أن يكون الصواب فيما كتب الطبري " طلقًا " كما سلف ، وكما سيأتي في عبارته .