محمد بن جرير الطبري
292
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : ( 1 ) " والأسباب " ، الشيء يُتعلَّقُ به . قال : و " السبب " الحبل . " والأسباب " جمع " سَبب " ، وهو كل ما تسبب به الرجل إلى طَلبِته وحاجته . فيقال للحبل " سبب " ، لأنه يُتسبب بالتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق به . ويقال للطريق " سبب " ، للتسبب بركوبه إلى ما لا يدرك إلا بقطعه . وللمصاهرة " سبب " ، لأنها سَببٌ للحرمة . وللوسيلة " سَبب " ، للوصول بها إلى الحاجة ، وكذلك كل ما كان به إدراك الطلبة ، فهو " سبب " لإدراكها . فإذْ كان ذلك كذلك ، فالصواب من القول في تأويل قوله : " وتقطعت بهم الأسباب " أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبرَ أن الذين ظلموا أنفسهم - من أهل الكفر الذين ماتوا وهم كفار - يتبرأ = عند معاينتهم عذابَ الله = المتبوعُ من التابع ، وتتقطع بهم الأسباب . وقد أخبر تعالى ذكره في كتابه أن بَعضهم يلعنُ بعضًا ، وأخبر عن الشيطان أنه يقول لأوليائه : ( مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) [ سورة إبراهيم : 22 ] ، وأخبر تعالى ذكره أنّ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ، وأن الكافرين لا ينصر يومئذ بعضهم بعضًا ، فقال تعالى ذكره : ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ) [ سورة الصافات : 24 - 25 ] وأنّ الرجل منهم لا ينفعه نسيبه ولا ذو رحمه ، وإن كان نسيبه لله وليًّا ، فقال تعالى ذكره في ذلك : ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) [ سورة التوبة : 114 ] وأخبر تعالى ذكره أنّ أعمالهم تَصيرُ عليهم حسرات . وكل هذه المعاني أسباب يتسبب في الدنيا بها إلى مطالب ، فقطع الله منافعها في الآخرة عن الكافرين به ، لأنها كانت بخلاف طاعته ورضاه ، فهي منقطعة
--> ( 1 ) من أول هذه الفقرة ، كلام أبي جعفر ، وأخشى أن يكون سقط شيء قبله . وهذا الابتداء على كل حال ، جار على غير النهج الذي سار عليه كتابه من قبل ومن بعد .