محمد بن جرير الطبري
254
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
الحق - من بعد ما بيَّنه الله لهم في كتبهم - يلعنهم بكتمانهم ذلك ، وتركهم تَبيينه للناس . * * * و " اللعنة " " الفَعْلة " ، من " لعنه الله " بمعنى أقصاه وأبعده وأسْحَقه . وأصل " اللعن " : الطرْد ، ( 1 ) كما قال الشماخ بن ضرار ، وذكر ماءً ورَد عليه : ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ . . . مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ الَّلعِينِ ( 2 ) يعني : مقامَ الذئب الطريد . و " اللعين " من نعت " الذئب " ، وإنما أراد : مقام الذئب الطريد واللعين كالرَّجل . ( 3 ) * * * فمعنى الآية إذًا : أولئك يُبعدهم الله منه ومن رحمته ، ويسألُ ربَّهم اللاعنون أنْ يلعنهم ، لأن لعنةَ بني آدم وسائر خَلق الله مَا لَعنوا أن يقولوا : " اللهم العنه " إذْ كان معنى " اللعن " هو ما وصفنا من الإقصاء والإبعاد . وإنما قلنا إن لعنة اللاعنين هي ما وصفنا : من مسألتهم رَبَّهم أن يَلعَنهم ، وقولهم : " لعنه الله " أو " عليه لعنة الله " ، لأن : - 2378 - محمد بن خالد بن خِداش ويعقوب بن إبراهيم حدثاني قالا حدثنا إسماعيل بن علية ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون " ، البهائم ، قال : إذا أسنَتَتِ السَّنة ، ( 4 ) قالت البهائم : هذا من أجل عُصَاة بني آدم ، لعنَ الله عُصَاة بني آدم ! * * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله تعالى ذكره ب " اللاعنين " . فقال بعضهم : عنى بذلك دوابَّ الأرض وهَوامَّها .
--> ( 1 ) انظر ما سلف 2 : 328 . ( 2 ) سلف تخريجه وشرحه في 2 : 328 . وفي التعليق هناك خطأ صوابه " مجاز القرآن : 46 " . ( 3 ) كان في المطبوعة : " الطريد واللعين " ، والصواب طرح الواو . ( 4 ) أسنتت الأرض والسنة : أجدبت ، وعام مسنت مجدب . والسنة : القحط والجدب . وكان في المطبوعة : " أسنت " ، والصواب ما أثبت . وفي الدر المنثور 1 : 162 : " إذا اشتدت السنة " .