محمد بن جرير الطبري
228
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عليه وسلم قد عَمل به وسنه لمن بعده ، وقد أُمرَ نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته باتباعه ، فعليهم العمل بذلك ، على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره : " فمن حج البيت " ، فمن أتاه عائدًا إليه بَعدَ بدء . وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو " حَاجٌّ إليه " ، ومنه قول الشاعر : ( 1 ) لأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولا كثِيرَةً . . . يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا ( 2 )
--> ( 1 ) هو المخبل السعدي ، وهو مخضرم . ( 2 ) المعاني الكبير : 478 ، والاشتقاق لابن دريد : 77 ، 156 ، وتهذيب الألفاظ : 563 ، وإصلاح المنطق : 411 ، والبيان والتبيين 3 : 97 ، وشرح أدب الكاتب للجواليقي : 313 ، وللبطليوسي : 405 ، واللسان ( سبب ) ( حجج ) ، ( قهر ) ( زبرق ) ، والجمرة لابن دريد : 1 : 31 ، 49 / 3 : 434 ، وسمط اللآلي : 191 ، والخزانة 3 : 427 . وفي المطبوعة : " بيت الزبرقان " والصواب ما أثبت . وقد ذهب الطبري في تفسير البيت ، كما ذهب ابن دريد وابن قتيبة والجاحظ وغيرهم إلى أن " السب " هاهنا العمامة ، وأن سادات العرب كانوا يصبغون عمائمهم بالزعفران ، ومنهم حصين بن بدر ، وهو الزبرقان ، وسمي بذلك لصفرة عمامته وسيادته . وذهب أبو عبيدة وقطرب إلى أنه " السب " هنا هي الاست ، وكان مقروفًا ، وزعموا أن قول قطرب قول شاذ ، والصواب عندي أن أبا عبيدة وقطرب قد أصابا ، وأنهم أخطأوا في ردهم ما قالا . فقد كان المخبل بذيء اللسان ، حتى نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنما هو عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده " ( النقائض : 1048 ) قال أبو عبيدة في النقائض : " كان المخبل القريعي أهجى العرب . . . ثم كان بعده حسان بن ثابت ، ثم الحطيئة ، والفرزدق ، وجرير ، والأخطل . هؤلاء الستة الغاية في الهجاء وغيره ، ولم يكن في الجاهلية ولا في الإسلام لهم نظير " . هذا وقد كان من أمر المخبل والزبرقان بن بدر ما كان في ضيافة الحطيئة ( انظر طبقات فحول الشعراء : 96 - 100 ) ، وهجاؤه له ، ثم ما استشرى من هجاء المخبل له ، لما خطب إليه أخته خليدة ، فأبى الزبرقان أن يزوجها له ، وذمه . فهجاء وهجا أخته مقذعًا ، وحط منه حتى قال له : يَا زِبْرِقَانُ أخَابَنِي خَلَفٍ . . . مَا أنْتَ وَيبَ أبِيكَ والفَخْرُ مَا أنْتَ إلاّ فِي بَنِي خَلَفٍ . . . كالإسْكَتَينِ عَلاَهُمَا البَظْرُ وكل شعره في الزبرقان وأخته مقذع . وهذا البيت الذي استشهد به الطبري من قذعه . وقبل البيت : أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ عَمْرَةَ أنَّنِي . . . تَخَاطَأَنِي رَيْبُ الزَّمَانِ لأَكْبَرَا لأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كثيرةً . . . يَحُجُّونَ سِبَّ الزبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا تَمَنَّى حُصَيْنٌ أن يَسُودَ جِذَاعَهُ . . . فأَمْسَى حُصَيْنٌ قد أُذِلَّ وأُقْهِرَا وفي سيرة ابن هشام 2 : 275 - 276 قول عتبة بن ربيعة في أبي جهل : " سيعلم مصفراسته من انتفخ سحره ، أنا أم هو ! " فرماه بمثل ذلك من القبيح ، الذي قاله المخبل السعدي . ومن زعم أن المخبل يقول إنه : " كره أن يعيش ويعمر حتى يرى الزبرقان من الجلالة والعظمة بحيث يحج بنو عوف عصابته " ، فقد أخطأ ، وقد نقض عليه البيت الثالث ما زعم ، فإنه يصفه بأنه تمنى السيادة ، ولكن ذلك لم يزده إلا ذلا وقهرًا ، فكيف يتأتى أن يقول ما زعم هذا أنه أراده ؟ بل أراد المخبل أن يسخر به ويتهكم ، كما فعل في سائر هجائه له . وقوله : " وأشهد " منصوب ، عطفًا على قوله : " لأكبرا " .