محمد بن جرير الطبري

206

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

كانوا يَهودًا ونصارَى ، فكانوا يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأما سائرُ العرب ، فلم تكن لهم حجة ، وكانت حُجة من يحتجُّ منكسرة . لأنك تقول لمن تريد أن تَكسِر عليه حجته : " إنّ لك عليّ حجة ولكنها منكسرة ، وإنك لتحتج بلا حجة ، وحجتك ضعيفة " . ووَجَّه معنى : " إلا الذين ظَلموا منهم " إلى معنى : إلا الذينَ ظلموا منهم ، منْ أهل الكتاب ، فإنّ لَهُم عليكم حُجة وَاهية أو حجة ضعيفة . * * * ووَهْيُ قَولِ من قال : " إلا " في هذا الموضع بمعنى " لكن " . وضَعْفُ قولِ من زعم أنه ابتداء بمعنى : إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم . ( 1 ) لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأنّ ذلك من الله عز وجل خَبرٌ عن الذين ظلموا منهم : أنهم يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما قد ذكرنا ، ولم يقصِد في ذلك إلى الخبر عن صفة حُجتهم بالضعف ولا بالقوة - وإن كانت ضعيفةً لأنها باطلة - وإنما قصد فيه الإثباتَ للذين ظلموا ، ما قد نَفى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة . 2307 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه قال ، قال الربيع : إنّ يهوديًّا خاصم أبا العالية فقال : إن مُوسَى عليه السلام كان يصلِّي إلى صخرة بيت المقدس . فقال أبو العالية : كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام . قال : قال : فبيني وبينك مسجدُ صالح ، فإنه نحته من الجبل . قال أبو العالية : قد صلّيت فيه وقِبلتُه إلى البيت الحرام . قال الربيع : وأخبرني أبو العالية أنه مرّ على مسجد ذي القرنين ، وقِبلتُه إلى الكعبة . * * * وأما قوله : " فلا تخشوْهم واخشوْني " ، يعني : فلا تخشوا هؤلاء الذين وصفت لَكم أمرهم من الظَّلمة في حجتهم وجدالهم وقولهم ما يقولون ( 2 ) في أنّ محمدًا صلى

--> ( 1 ) قوله " ووهي قول . . . " ، و " وضعف قول . . . " معطوف على قوله آنفًا : " وظاهر بطول قول من زعم . . . " . ( 2 ) في المطبوعة : " من الظلم في حجتهم " ، والصواب من المخطوطة . ثم فيها : " وقولهم ما يقولون من أن محمدًا " ، وصوابه من المخطوطة .