محمد بن جرير الطبري
170
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يُبطل عَمل عاملٍ عمل له عملا وهو له طاعة ، فلا يُثيبه عليه ، وإن نُسخ ذلك الفرضُ بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله . * * * فإن قال قائل : وكيفَ قال الله جل ثناؤه : " وما كان الله ليُضيع إيمانكم " ، فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين ، والقومُ المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس ، وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية ؟ قيل : إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك ، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفقين من حُبُوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة ، وظنّوا أنّ عملهم ذلك قد بطلَ وذهب ضياعًا ؟ فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ ، فوجّه الخطاب بها إلى الأحياء ودخل فيهم الموتى منهم . لأن من شأن العرب - إذا اجتمع في الخبر المخاطبُ والغائبُ - أن يغلبوا المخاطب فيدخل الغائب في الخطاب . فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر : " فعلنا بكما وصنعنا بكما " ، كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران ، ولا يستجيزون أن يقولوا : " فعلنا بهما " ، وهم يخاطبون أحدهما ، فيردّوا المخاطب إلى عِدَاد الغَيَب . ( 1 ) * * * القول في تأويل قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 143 ) } قال أبو جعفر : ويعني بقوله جل ثناؤه : " إنّ الله بالناس لَرَءوفٌ رحيمٌ " : أن الله بجميع عباده ذُو رأفة . * * *
--> ( 1 ) الغيب ( بفتحتين ) جمع غائب ، مثل خادم وخدم .