محمد بن جرير الطبري
161
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : وهذا تأويل بعيدٌ ، من أجل أنّ " الرؤية " ، وإن استعملت في موضع " العلم " ، من أجل أنه مستحيلٌ أن يرى أحدٌ شيئًا ، فلا توجب رؤيته إياه علمًا بأنه قد رآه ، إذا كان صحيح الفطرة . فجاز من الوجه الذي أثبته رؤيةً ، أن يُضَاف إليه إثباتُهُ إياه علمًا ، ( 1 ) وصحّ أن يدلّ بذكر " الرؤية " على معنى " العلم " من أجل ذلك . فليس ذلك ، وإن كان [ جائزا ] في الرؤية - لما وصفنا - بجائز في العلم ، ( 2 ) فيدلّ بذكر الخبر عن " العلم " على " الرؤية " . لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها ، ويستحيل أن يَرَى شيئًا إلا علمه ، كما قد قدمنا البيان [ عنه ] . ( 3 ) مع أنه غير موجود في شيء من كلام العرب أن يقال : " علمت كذا " ، بمعنى رأيته . وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم منَ الكلام ، إلى ما كان موجودًا مثله في كلام العرب ، دون ما لم يكن موجودًا في كلامها . فموجود في كلامها " رأيت " بمعنى : علمت ، وغير موجود في كلامها " علمت " بمعنى : رأيت ، فيجوز توجيه : " إلا لنعلم " إلى معنى : إلا لنرى . * * * وقال آخرون : إنما قيل : " إلا لنعلم " ، من أجل أنّ المنافقين واليهودَ وأهلَ الكفر بالله ، أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يَعلم الشيءَ قبل كونه . وقالوا - إذ قيل لهم : إن قومَا من أهل القبلة سيرتدُّون على أعقابهم ، إذا حُوِّلت قبلة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة - : ذلك غير كائن ! أو قالوا : ذلك باطل ! فلما فَعل الله ذلك ، وحوَّل القبلة ، وكفر من أجل ذلك من كفر ، قال الله جل
--> ( 1 ) أثبت الشيء : عرفه حق المعرفة . ( 2 ) الزيادة بين القوسين ، لا بد للسياق منها ، وإلا اختل الكلام . ( 3 ) زيادة يقتضيها سياقه .