محمد بن جرير الطبري

123

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

مبتدأ . ولو كان نَسقًا على الاستفهام الأول ، لكان خبرًا عن الأول ، فقيل : " أتقوم أم تقعد ؟ " وقد زعم بعض أهل العربية أنّ ذلك ، إذا قرئ كذلك ب " الياء " ، فإن كان الذي بعد " أم " جملة تامة ، فهو عطفٌ على الاستفهام الأول . لأن معنى الكلام : قيل : أيّ هذين الأمرين كائنٌ ؟ هذا أم هذا ؟ * * * قال أبو جعفر : والصواب من القرَاءة عندنا في ذلك : " أم تقولون " " بالتاء " دون " الياء " عطفًا على قوله : " قل أتحاجُّوننا " ، بمعنى : أيّ هذين الأمرين تفعلون ؟ أتجادلوننا في دين الله ، فتزعمون أنكم أولى منا وأهدى منا سبيلا - وأمرنا وأمركم ما وصفنا ، على ما قد بيناه آنفًا ( 1 ) - أمْ تزعمون أنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ ، ومن سَمَّى الله ، كانوا هُودًا أو نصارَى على ملتكم ، فيصحّ للناس بَهتكم وكذبكم ، ( 2 ) لأن اليهودية والنصرانية حدثت بعد هؤلاء الذين سماهم الله من أنبيائه . وغير جائزة قراءة ذلك ب " الياء " ، لشذوذها عن قراءة القراء . * * * وهذه الآية أيضًا احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيّه صلى الله عليه وسلم على اليهود والنصارى ، الذين ذكر الله قَصَصهم . يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد - لهؤلاء اليهود والنصارى - : أتحاجُّوننا في الله ، وتزعمون أن دينكم أفضلُ من ديننا ، وأنكم على هدى ونحنُ على ضَلالة ، ببرهان من الله تعالى ذكره ، فتدعوننا إلى دينكم ؟ فهاتوا برهانكم على ذلك فنتبعكم عليه ، أم تقولون : إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباط كانوا هودًا أو نَصَارَى على دينكم ؟ فهاتُوا - على دعواكم ما ادّعيتم من ذلك - برهانًا فنصدِّقكم ، فإن الله قد جَعلهم أئمة يقتدى بهم .

--> ( 1 ) في المطبوعة : " أيضًا " ، والصواب ما أثبت . ( 2 ) أخشى أن يكون الصواب " فيتضح للناس " ، والذي في الأصل لا بأس به .