محمد بن جرير الطبري

79

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

( 1 ) وقد قيل : إن " البرية " إنما لم تهمز لأنها " فعيلة " من " البَرَى " ، والبَرَى : التراب . فكأن تأويله على قول من تأوله كذلك أنه مخلوق من التراب . * * * وقال بعضهم : إنما أخذت " البرية " من قولك " بريت العود " . فلذلك لم يهمز . * * * قال أبو جعفر : وترك الهمز من " بارئكم " جائز ، والإبدال منها جائز . فإذ كان ذلك جائزا في " باريكم " فغير مستنكر أن تكون " البرية " من : " برى الله الخلق " بترك الهمزة . * * * وأما قوله : ( ذلكم خير لكم عند بارئكم ) ، فإنه يعني بذلك : توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم ، خير لكم عند بارئكم ، لأنكم تنجون بذلك من عقاب الله في الآخرة على ذنبكم ، وتستوجبون به الثواب منه . * * * وقوله : ( فتاب عليكم ) ، أي : بما فعلتم مما أمركم به من قتل بعضكم بعضا . وهذا من المحذوف الذي استغني بالظاهر منه عن المتروك . لأن معنى الكلام : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ، ذلكم خير لكم عند بارئكم ، فتبتم ، فتاب عليكم . فترك ذكر قوله : " فتبتم " ، إذ كان في قوله : ( فتاب عليكم ) دلالة بينة على اقتضاء الكلام " فتبتم " . * * * ويعني بقوله : ( فتاب عيكم ) رَجَعَ لكم ربكم إلى ما أحببتم : من العفو عن ذنوبكم وعظيم ما ركبتم ، والصفح عن جرمكم ، ( إنه هو التواب الرحيم ) يعني : الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه . ويعني ب " الرحيم " ، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته . * * *

--> ( 1 ) ديوانه : 29 ، من قصيدته التي قالها يذكر النعمان ويعتذر إليه ، وقبل البيت : ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه . . . ولا أحاشي من الأقوام من أحد حَدَدْتُ فلانا عن الشر : منعته وحبسته . والفند : الخطأ في الرأي وفي القول .