محمد بن جرير الطبري

560

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أصحاب الجحيم ) ، وجه يوجه إليه . وإنما الكلام موجه معناه إلى ما دل عليه ظاهره المفهوم ، حتى تأتي دلالة بينة تقوم بها الحجة ، على أن المراد به غير ما دل عليه ظاهره ، فيكون حينئذ مسلما للحجة الثابتة بذلك . ولا خبر تقوم به الحجة على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن أن يسأل - في هذه الآية عن أصحاب الجحيم ، ولا دلالة تدل على أن ذلك كذلك في ظاهر التنزيل . والواجب أن يكون تأويل ذلك الخبر على ما مضى ذكره قبل هذه الآية ، وعمن ذكر بعدها من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ، دون النهي عن المسألة عنهم . ( 1 ) * * * فإن ظن ظان أن الخبر الذي روي عن محمد بن كعب صحيح ، فإن في استحالة الشك من الرسول عليه السلام - في أن أهل الشرك من أهل الجحيم ، وأن أبويه كانا منهم ، ما يدفع صحة ما قاله محمد بن كعب ، إن كان الخبر عنه صحيحا . مع أن ابتداء الله الخبر بعد قوله : ( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ) ، ب‍ " الواو " - بقوله : ( ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ) ، وتركه وصل ذلك بأوله ب‍ " الفاء " ، وأن يكون : " إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا فلا تسأل عن أصحاب الجحيم " - ( 2 ) أوضح الدلالة على أن الخبر بقوله : ( 3 ) " ولا تسئل " ، أولى من النهي ، والرفع به أولى من الجزم . وقد ذكر أنها في قراءة أبي : ( وما تسأل ) ، وفي قراءة ابن مسعود : ( ولن تسأل ) ، وكلتا هاتين القراءتين تشهد بالرفع والخبر فيه ، دون النهي . ( 4 ) * * *

--> ( 1 ) حجة قوية لا ترد ، وبصر بسياق معاني القرآن وتتابعها . ولكن كثيرا من الناس يغفلون عن مواطن الحق في موضع بعينه ، لاختلاط الأمر عليهم لمشابهته لموطن آخر في موضع غيره ، كما سترى في التعليق التالي رقم : 40 . ( 2 ) كان في المطبوعة : " بالواو يقول : فلا تسئل عن أصحاب الجحيم . . . بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم " وهو خطأ كما استدركه مصحح المطبوعة في تعليقه . ( 3 ) في المطبوعة : " أوضح الدلائل " بالجمع ، والإفراد هو الصواب ، وكأنه سبق قلم من ناسخ . ( 4 ) قال ابن كثير في تفسيره 1 : 297 " وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب وغيره في ذلك ؛ لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه ، واختار القراءة الأولى . وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر ، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه ، قبل أن يعلم أمرهما ، فلما علم ذلك تبرأ منهما ، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار ، كما ثبت هذا في الصحيح . ولهذا أشباه كثيرة ونظائر ، ولا يلزم ما ذكره ابن جرير والله أعلم " . ينسى ابن كثير غفر الله له ، ما أعاد الطبري وأبدأ من ذكر سياق الآيات المتتابعة ، والسياق كما قال هو في ذكر اليهود والنصارى وقصصهم ، وتشابه قلوبهم في الكفر بالله ، وقلة معرفتهم بعظمة ربهم ، وجرأتهم على رسل الله وأنبيائه ، وكل ذلك موجب عذاب الجحيم ، فما الذي أدخل كفار العرب في هذا السياق ؟ نعم إنهم يدخلون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم ، كما يدخل فيه كل مشرك من العرب وغيرهم . وقد بينا آنفًا ص : 521 تعليق : 1 أن هذه الآيات السالفة والتي تليها ، دالة أوضح الدلالة على أن قصتها كلها في اليهود والنصارى ، ولا شأن لمشركي العرب بها . وإن دخل هؤلاء المشركون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم ، وإذن فسياق الآيات يوجب أن تكون في اليهود والنصارى ، فتخصيص شطر من آية بأنه نزل في أمر بعض مشركي الجاهلية . تحكم بلا خبر ولا بينة . ( وانظر ص : 565 ) . إن ابن كثير غفل عن معنى الطبري ، فإن الطبري أراد أن يدل على شيئين : أن خبر محمد بن كعب لا يصح ، وأنه إن صح عنه من وجه ، فإن نزول الآية لم يكن لهذا الذي روي عنه . وبيان ذلك : أن الخبر لا يصح ، لأنه جاء على صيغة التشكك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في أمر بعض أهل الجاهلية : ما فعل به ، في جنة أو نار ! وهذا مما يتنزه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفرق كبير بين أن يستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبويه اللذين كانا من أهل الجاهلية ، وعلى مثل أمرها من الشرك ، وبين أن يتشكك في أمرهما فيقول : " ليت شعري ما فعل أبواي ؟ " . وإنما يصح كلام ابن كثير ، إذا كان بين هذا التشكك ، وبين الاستغفار رابط يوجب أن يكون أحدهما ملازما للآخر ، أو بسبب منه . ثم يرد الخبر أيضًا ، لأن سياق الآيات يدل ظاهرها البين على أنها في اليهود والنصارى نزلت ، فلا يمكن تخصيص شطر من آية من هذه الآيات المتتابعة ، على خبر لا يصح ، لعلة موهنة له . فلست أدري لم أقحم ابن كثير الاستغفار والتبرؤ في هذا الموضع ، مع وضوح حجة الطبري في الفقرة السالفة . من جهة السياق ، وفي هذه الفقرة من جهة العربية ؟ إن بعض المشكلات التي يدور عليها جدال الناس ، ربما أغفلت مثل ابن كثير عن مواطن الدقة والصواب والتحري ، وهم يفسرون كتاب الله الذي لا يخالف بعضه بعضا ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . اللهم إنا نسألك العصمة من الزلل ، ونستهديك في البيان عن معاني كتابك .