محمد بن جرير الطبري

56

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فكان كل فرق كالطود العظيم - يقول : كالجبل العظيم - ، فدخلت بنو إسرائيل . وكان في البحر اثنا عشر طريقا ، في كل طريق سبط - وكانت الطرق انفلقت بجدران ( 1 ) - فقال كل سبط : قد قتل أصحابنا ! فلما رأى ذلك موسى ، دعا الله ، فجعلها لهم قناطر كهيئة الطِّيقان ( 2 ) فنظر آخرهم إلى أولهم ، حتى خرجوا جميعا . ثم دنا فرعون وأصحابه ، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا قال : ألا ترون البحر فَرِق مني ؟ ( 3 ) قد انفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم ! فذلك حين يقول الله جل ثناؤه : ( وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ ) [ الشعراء : 64 ] يقول : قربنا ثم الآخرين ، يعني آل فرعون . فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم ، فنزل جبريل على ماذيانة ، فشامت الحصن ريح الماذيانة ، فاقتحم في أثرها ، ( 4 ) حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم ، أمر البحر أن يأخذهم ، فالتطم عليهم . ( 5 ) . 911 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : لما أخذ عليهم فرعون الأرض إلى البحر ، قال لهم فرعون : قولوا لهم يدخلون البحر إن كانوا صادقين ! فلما رآهم أصحاب موسى قالوا : إنا لمدركون ! قال كلا إن معي ربي سيهدين . فقال موسى للبحر : ألست تعلم أني رسول الله ؟ قال : بلى . قال ! وتعلم أن هؤلاء عباد من عباد الله أمرني أن آتي بهم ؟ قال : بلى .

--> ( 1 ) في تاريخ الطبري : " وكأن الطرق إذا انفلقت بجدران " . ( 2 ) الطيقان والأطواق ، جمع طاق : وهو عقد البناء حيث كان . ( 3 ) فرق يفرق فرقا ( بفتحتين ) : فزع أشد الفزع . ( 4 ) في المطبوعة : " ماذبانة . . . الماذبانة " ، وانظر ما سلف : 49 تعليق : 5 ، وفي المطبوعة " فشام الحصان " بالإفراد ، وهو غير جيد في سياق الكلام . الصواب من المخطوطة وتاريخ الطبري . وشام الشيء : تشممه . والحصن ، جمع حصان . ( 5 ) الأثر : 910 - في تاريخ الطبري 1 : 213 - 214 ، ومضت فقرة منه برقم : 904 . والتطم البحر عليهم : أطبق عليهم وختم وهو يتلاطم موجه . ولم أجدها في كتب اللغة . ولكنهم يقولون : التطمت الأمواج وتلاطمت ، ضرب بعضها بعضا . ويقولون : لطم الكتاب : أي ختمه . فالذي جاء في الخبر عربى معرق في مجازه .