محمد بن جرير الطبري

542

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 ) } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : ( وإذا قضى أمرا ) ، وإذا أحكم أمرا وحتمه . ( 1 ) * * * وأصل كل " قضاء أمر " الإحكام ، والفراغ منه . ( 2 ) ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس : " القاضي " بينهم ، لفصله القضاء بين الخصوم ، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه به . ( 3 ) ومنه قيل للميت : " قد قضى " ، يراد به قد فرغ من الدنيا ، وفصل منها . ومنه قيل : " ما ينقضي عجبي من فلان " ، يراد : ما ينقطع . ومنه قيل : " تقضي النهار " ، إذا انصرم ، ومنه قول الله عز وجل : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ) [ سورة الإسراء : 23 ] أي : فصل الحكم فيه بين عباده ، بأمره إياهم بذلك ، وكذلك قوله : ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ ) [ سورة الإسراء : 4 ] ، أي أعلمناهم بذلك وأخبرناهم به ، ففرغنا إليهم منه . ومنه قول أبي ذؤيب : وعليهما مسرودتان ، قضاهما . . . داود أو صَنَعَ السوابغِ تُبَّعُ ( 4 )

--> ( 1 ) حتم الأمر : قضاه قضاء لازما . ( 2 ) كان في المطبوعة : " قضاء الإحكام " ، والصواب ما أثبت . ( 3 ) في المطبوعة " فراغه " وزيادة " منه " واجبة . ( 4 ) ديوانه : 19 ، والمفضليات : 881 وتأويل مشكل القرآن : 342 ، وسيأتي في تفسير الطبري 11 : 65 ، 22 : 47 ( بولاق ) ، من قصيدته التي فاقت كل شعر ، يرثى أولاده حين ماتوا بالطاعون . والضمير في قوله : " وعليهما " إلى بطلين وصفهما في شعره قبل ، كل قد أعد عدته : فتناديا فتواقفت خيلاهما . . . وكلاهما بطل اللقاء مخدع متحاميين المجد ، كل واثق . . . ببلائه ، واليوم يوم أشنع وعليهما مسرودتان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . " مسرودتان " ، يعني درعين ، من السرد ، وهو الخرز أو النسج ، قد نسجت حلقهما نسجا محكما . وداود : هو نبي الله صلى الله عليه وسلم . وتبع : اسم لكل ملك من ملوك حمير ( انظر ما سلف 2 : 237 ) . قال ابن الأنباري : " سمع بأن الحديد سخر لداود عليه السلام ، وسمع بالدروع التبعية ، فظن أن تبعا عملها . وكان تبع أعظم من أن يصنع شيئا بيده ، وإنما صنعت في عهده وفي ملكه " . والصنع : الحاذق بعمله ، والمرأة : صناع . ويروى : " وعليهما ماذيتان " ، يعني درعين . والماذية : الدرع الخالصة الحديد ، اللينة السهلة .