محمد بن جرير الطبري
535
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
= ولا هي - إذ لم تكن ناسخة لما وصفنا - قامت حجتها بأنها منسوخة ، إذ كانت محتملة ما وصفنا : بأن تكون جاءت بعموم ، ومعناها : في حال دون حال - ( 1 ) إن كان عني بها التوجه في الصلاة ، وفي كل حال إن كان عني بها الدعاء ، وغير ذلك من المعاني التي ذكرنا . وقد دللنا في كتابنا : " كتاب البيان عن أصول الأحكام " ، على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما نفى حكما ثابتا ، وألزم العباد فرضه ، غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك . ( 2 ) فأما إذا ما احتمل غير ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص والعموم ، أو المجمل ، أو المفسر ، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل ، بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع . ولا منسوخ إلا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه . ولم يصح واحد من هذين المعنيين لقوله : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) ، بحجة يجب التسليم لها ، فيقال فيه : هو ناسخ أو منسوخ . * * * وأما قوله : ( فأينما ) ، فإن معناه : حيثما . * * * وأما قوله : ( تولوا ) فإن الذي هو أولى بتأويله أن يكون : تولون نحوه وإليه ، كما يقول القائل : " وليته وجهي ووليته إليه " ، ( 3 ) بمعنى : قابلته وواجهته . وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ، لإجماع الحجة على أن ذلك تأويله وشذوذ من تأوله بمعنى : تولون عنه فتستدبرونه ، فالذي تتوجهون إليه وجه الله ، بمعنى قبلة الله . * * * وأما قوله : ( فثم ) فإنه بمعنى : هنالك . * * *
--> ( 1 ) في المطبوعة : " أو معناها في حال دون حال " ، وهو فاسد . ومراده أن الآية جاءت عامة ، وتحتمل أحد معنيين : إما في حال دون حال _ وإما في كل حال ، كما فصل بعد . ( 2 ) في المطبوعة : " لظاهره " ، وانظر ما سلف في معنى " الظاهر والباطن " 2 : 15 والمراجع ( 3 ) في المطبوعة : " وليت وجهي " ، والصواب ما أثبت .