محمد بن جرير الطبري
497
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
يعني بالسواء : الوسط . والعرب تقول : " هو في سواء السبيل " ، يعني في مستوى السبيل ، " وسواء الأرض " : مستواها ، عندهم . وأما " السبيل " ، فإنها الطريق المسبول ، صرف من " مسبول " إلى " سبيل " . ( 1 ) * * * فتأويل الكلام إذا : ومن يستبدل بالإيمان بالله وبرسوله الكفر ، فيرتد عن دينه ، فقد حاد عن منهج الطريق ووسطه الواضح المسبول . ( 2 ) وهذا القول ظاهره الخبر عن زوال المستبدل بالإيمان والكفر عن الطريق ، والمعْنِيُّ به الخبر عنه أنه ترك دين الله الذي ارتضاه لعباده ، وجعله لهم طريقا يسلكونه إلى رضاه ، وسبيلا يركبونها إلى محبته والفوز بجناته . فجعل جل ثناؤه الطريق - الذي إذا ركب محجته السائر فيه ، ولزم وسطه المجتاز فيه ، نجا وبلغ حاجته ، وأدرك طلبته - لدينه الذي دعا إليه عباده ، مثلا لإدراكهم بلزومه واتباعه ، طلباتهم في آخرتهم ، ( 3 ) كالذي يدرك اللازم محجة السبيل = بلزومه إياها = طلبته من النجاة منها ، والوصول إلى الموضع الذي أمه وقصده . وجعل مثل الحائد عن دينه ، الجائر عن اتباع ما دعاه إليه من عبادته - ( 4 ) في إخطائه ما رجا أن يدركه بعمله في آخرته وينال به في معاده ، ( 5 ) وذهابه عما أمل من ثواب عمله ، وبعده به من ربه ، مثلَ الحائد عن منهج الطريق وقصد السبيل ، الذي لا يزداد وغولا في الوجه الذي سلكه ، ( 6 ) إلا ازداد من موضع حاجته بعدا ،
--> ( 1 ) لم أجد لقوله : " مسبول " فعلا ، وكأنه أراد أن يؤوب به إلى الأصل ، فإن " فعيلا " لا بد له من فعل ثلاثي هو " سبل " وإن لم يستعملوه ، وهو مصروف عن " مفعول " . فقال الطبري : " مسبول " . ويهون ذلك أنهم قالوا : " السابلة " وهو " فاعلة من فعل ثلاثي . ولكنهم لم يستعملوه ، ومعناه : " السالكة الطريق من الناس " . وقالوا سبيل سابلة : أي مسلوكة ، فهذه أيضًا " فاعلة " بمعنى " مفعولة " . فعنى بقوله " المسبول " في الموضعين : المسلوك . ( 2 ) لم أجد لقوله : " مسبول " فعلا ، وكأنه أراد أن يؤوب به إلى الأصل ، فإن " فعيلا " لا بد له من فعل ثلاثي هو " سبل " وإن لم يستعملوه ، وهو مصروف عن " مفعول " . فقال الطبري : " مسبول " . ويهون ذلك أنهم قالوا : " السابلة " وهو " فاعلة من فعل ثلاثي . ولكنهم لم يستعملوه ، ومعناه : " السالكة الطريق من الناس " . وقالوا سبيل سابلة : أي مسلوكة ، فهذه أيضًا " فاعلة " بمعنى " مفعولة " . فعنى بقوله " المسبول " في الموضعين : المسلوك . ( 3 ) في المطبوعة : " لإدراكهم بلزومه واتباعه إدراكهم طلباتهم . . " وقوله : " إدراكهم " زائدة من ناسخ . ( 4 ) في المطبوعة : " والحائد عن اتباع ما دعاه . . " ، وأظن الصواب ما أثبت . ( 5 ) في المطبوعة : " في حياته ما رجا أن يدركه . . " ، وهي مصحفة ولا شك ، وأثبت ما أداني إليه اجتهادي في قراءته . لأنهم يقول أخطأ الطريق ، وأخطأ ما ابتغى ، إلى أشباه ذلك . ( 6 ) الوغول ، مصدر " وغل يغل وغولا " ، إذا ذهب فأبعد المذهب .