محمد بن جرير الطبري
488
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
من قبل ) الآيات الثلاث بعدها - على أن ذلك كذلك . ( 1 ) * * * أما قوله : ( له ملك السماوات والأرض ) ولم يقل : ملك السماوات ، فإنه عنى بذلك " ملك " السلطان والمملكة دون " المِلك " . والعرب إذا أرادت الخبر عن " المملكة " التي هي مملكة سلطان ، قالت : " ملك الله الخلق مُلكا " . وإذا أرادت الخبر عن " المِلك " قالت : " ملك فلان هذا الشيء فهو يملكه مِلكا ومَلَكة ومَلْكا . * * * فتأويل الآية إذًا : ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري ، أحكم فيهما وفيما فيهما ما أشاء ، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وأنهى عما أشاء ، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء ، وأقر منها ما أشاء ؟ * * * وهذا الخبر وإن كان من الله عز وجل خطابا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته ، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى ، وأنكروا محمدا صلى الله عليه وسلم ، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة . فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما ، فإن الخلق أهل مملكته وطاعته ، عليهم السمع له والطاعة لأمره ونهيه ، وأن له أمرَهم بما شاء ونهيَهم عما شاء ، ونسخ ما شاء ، وإقرار ما شاء ، وإنساء ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه . ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه : انقادوا لأمري ، وانتهوا إلى طاعتي فيما أنسخ وفيما أترك فلا أنسخ ، من أحكامي وحدودي وفرائضي ، ولا يهولنكم خلاف مخالف لكم في أمري ونهيي وناسخي ومنسوخي ، فإنه لا قيم بأمركم سواي ، ولا ناصر لكم غيري ، وأنا المنفرد بولايتكم ، والدفاع عنكم ، والمتوحد بنصرتكم بعزي وسلطاني وقوتي على من ناوأكم وحادكم ، ونصب حرب العداوة بينه وبينكم ، حتى أعلي حجتكم ،
--> ( 1 ) انظر ما سيأتي بعد قليل : 499 - 500 .