محمد بن جرير الطبري

441

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فقلت : لم أر شيئا . فقالا كذبت لم تفعلي ، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري ، فإنك على رأس أمرك ! ( 6 ) فأربيت وأبيت ، فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه . فذهبت إليه فبلت فيه ، فرأيت فارسا متقنعا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء ، وغاب عني حتى ما أراه . فجئتهما فقلت : قد فعلت ! فقالا ما رأيت ؟ فقلت : فارسا متقنعا خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه ، ( 7 ) فقالا صدقت ، ذلك إيمانك خرج منك ، اذهبي . فقلت للمرأة : والله ما أعلم شيئا ! وما قالا لي شيئا ! فقالت : بلى ، لن تريدي شيئا إلا كان ! خذي هذا القمح فابذري . فبذرت ، وقلت : أطلعي ! فأطلعت ، وقلت : أحقلي ! فأحقلت ، ثم قلت : أفركي ! فأفركت ، ثم قلت : أيبسي ! فأيبست ، ثم قلت : أطحني ! فأطحنت ، ثم قلت : أخبزي ، فأخبزت . ( 8 ) فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان ، سُقِط في يدي وندمت والله يا أم المؤمنين ! والله ما فعلت شيئا قط ولا أفعله أبدا . ( 9 )

--> ( 6 ) يقال : أنت على رأس أمرك ، وعلى رئاس أمرك : أي في أوله وعلى شرف منه . وزعم الجوهري أن قولهم : " على رأس أمرك " من كلام العامة ، وهذا الخبر ينقض ما قال . ( 7 ) في تفسير ابن كثير والدر المنثور : " فرأيت فارسا " ، وما هنا صواب جيد . ( 8 ) في هذه الفقرة كلمات لم تثبتها كتب اللغة ، سأذكرها في مدرج شرحها . " أطلعي فأطلعت " أي أخرجي شطأك ، من قولهم : أطلع الزرع ، إذا بدا أول نباته من الأرض . " أحقل الزرع : تشعب ورقه من قبل أن تغلظ سوقه . " أفركي فأفركت " ، أي كوني فريكا . وهو حب السنبلة إذا اشتد وصلح أن يفرك . أفرك السنبل : صار فريكا ، وهو حين يصلح أن يفرك فيؤكل . و " أيبسي فأيبست " أي كوني حبا يابسا ، أيبس البقل : يبس وجف . " أطحني فأطحنت " . أي كوني طحينا . ولم يرد في كتب اللغة : " أطحن " ، ولكنها أتبعت هذا الحرف ما مضى من أخواته ، وهي عربية سليمة ماضية على سنن اللغة في هذا الموضع . " أخبزي فأخبزت " ، أي كوني خبزا يؤكل ، وهذه أيضًا لم ترد في كتب اللغة ، ولكنها عريقة كأختها السالفة . وقد قال ابن كثير أن إسناد هذا الحديث جيد إلى عائشة ، وأن الحاكم صححه ، فإن كان ذلك كما قالا ، فلا شك في عربية هذه الألفاظ من طريق الرواية أيضًا . ( 9 ) الخبر : 1695 - مضت قطعة منه ، بإسناد آخر إلى ابن أبي الزناد : 1691 . وهذا الخبر نقله ابن كثير 1 : 260 - 261 ، بطوله ، عن الطبري . وقدم له بكلمة قال " وقد ورد في ذلك أثر غريب ، وسياق عجيب في ذلك . أحببنا أن ننبه عليه " . ثم قال بعد نقله . " فهذا إسناد جيد إلى عائشة رضي الله عنها " . وذكر أنه رواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان ، بأطول منه . وذكره السيوطي 1 : 101 ، ونسبه أيضًا للحاكم وصححه . والبيهقي في سننه . وهي قصة عجيبة ، لا ندري أصدقت تلك المرأة فيما أخبرت به عائشة ؟ أما عائشة فقد صدقت في أن المرأة أخبرتها . والإسناد إلى عائشة جيد ، بل صحيح . الربيع بن سليمان : هو المرادي المصري المؤذن ، صاحب الشافعي وراوية كتبه ، وهو ثقة . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 464 . ابن أبي الزناد : هو " عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان " ، وهو ثقة ، تكلم فيه بعض الأئمة ، في روايته عن أبيه ، وفي رواية البغداديين عنه . والحق أنه ثقة ، وخاصة في حديث هشام بن عروة . فقد قال ابن معين - فيما رواه أبو داود عنه عند الخطيب وغيره - " أثبت الناس في هشام بن عروة : عبد الرحمن بن أبي الزناد " . وقد وثقه الترمذي وصحح عدة من أحاديثه ، بل قال في السنن 3 : 59 ، في حديث له صححه ، وفيه حرف لم يروه غيره ، فقال : " وإنما ذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد ، وهو ثقة حافظ " .