محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أسباط بن نصر عن السدي ، قال : كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر ، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل ، وأخربت بيوت مصر . فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والحازة ، فسألهم عن رؤياه ( 1 ) فقالوا له : يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس - رجل يكون على وجهه هلاك مصر . فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ، ولا تولد لهم جارية إلا تركت . وقال للقبط : انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم ، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة . فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم ، وأدخلوا غلمانهم ; فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى : ( إن فرعون علا في الأرض ) - يقول : تجبر في الأرض - ( وجعل أهلها شيعا ) - ، يعني بني إسرائيل ، حين جعلهم في الأعمال القذرة - ، ( يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ) [ القصص : 4 ] فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح ، فلا يكبر الصغير . وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت ، فأسرع فيهم . فدخل رؤوس القبط على فرعون ، فكلموه ، فقالوا : إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت ، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا ! بذبح أبنائهم ، فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبار ! ( 2 ) فلو أنك كنت تبقي من أولادهم ! فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة . فلما كان في السنة التي لا يذبحون

--> ( 1 ) الكهنة جمع كاهن : وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان . والعافة جمع عائف : وهو الذي يتعاطى العيافة ، وهو تكهن كان في الجاهلية ، ذكروا أنها زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها . وفي اللسان ( حزا ) : العائف : العالم بالأمور ، ولا يستعاف إلا من علم وجرب وعرف . فلعل الذي وصفه أصحاب كتب اللغة إنما هو ضرب واحد من ضروب العيافة . والقافة جمع قائف : وهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه ، وليست من السحر والكهانة ولا الجبت . ولعل زيادة ذكرها هنا زيادة من النساخ ، فإن الذي جاء في رواية التاريخ : " القافة " ، ولم يذكر " العافة " ، فلعل الذي في التاريخ تصحيف صوابه " العافة " ، والحازة جمع حاز ، والحازي : هو الذي ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره ، فربما أصاب ، وهو الحزاء ( بتشديد الزاي ) . ( 2 ) في المطبوعة : نذبح أبناءهم " ، والصواب من التاريخ .