محمد بن جرير الطبري
435
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فعدلا . فكانا يحكمان النهار بين بني آدم ، فإذا أمسيا عرجا وكانا مع الملائكة ، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان ، حتى أنزلت عليهما الزهرة - في أحسن صورة امرأة - تخاصم ، فقضيا عليها . فلما قامت ، وجد كل واحد منهما في نفسه ، فقال أحدهما لصاحبه : وجدت مثل ما وجدت ؟ قال : نعم . فبعثا إليها : أن ائتينا نقض لك . فلما رجعت ، قالالها - وقضيا لها - : ائتينا ! فأتتهما ، ( 1 ) فكشفا لها عن عورتهما ، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما ، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها . فلما بلغا ذلك واستحلاه وافتتنا ، طارت الزهرة فرجعت حيث كانت . فلما أمسيا عرجا فردا ولم يؤذن لهما ، ( 2 ) ولم تحملهما أجنحتهما ، فاستغاثا برجل من بني آدم ، فأتياه فقالا ادع لنا ربك ! فقال : كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء ؟ قالا سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء ! فوعدهما يوما ، وغدا يدعو لهما ، فدعا لهما فاستجيب له ، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة . فنظر أحدهما إلى صاحبه فقالا نعلم أن أنواع عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد ، ومع الدنيا سبع مرات مثلها . ( 3 ) فأمرا أن ينزلا ببابل ، فثم عذابهما . وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان ، يصفقان بأجنحتهما . ( 4 ) * * * قال أبو جعفر : وحكي عن بعض القراء أنه كان يقرأ : ( وما أنزل على الملكين ) ، يعني به رجلين من بني آدم . وقد دللنا على خطأ القراءة بذلك من جهة الاستدلال ، ( 5 ) فأما من جهة النقل ، فإجماع الحجة - على خطأ القراءة بها - من
--> ( 1 ) في ابن كثير : " قالا وقضيا لها فأتتهما " ، وليس بصواب . ( 2 ) في ابن كثير : " فزجرا ولم يؤذن لهما ، وهما سواء . ( 3 ) في ابن كثير : " فقالا : ألا تعلم أن أفواج عذاب الله . . وفي الدنيا تسع مرات مثلها " . وفي الدر المنثور : " فقالا : نعلم أن أفواج عذاب الله . . نعم ، ومع الدنيا سبع مرات . . " وقوله " ومع الدنيا . . " أي إذا قيس بعذاب الدنيا ، كان سبعة أمثال عذابها . ( 4 ) الأثر : 1689 - في تفسير ابن كثير 1 : 259 - 260 ، وفي الدر المنثور 1 : 102 ( 5 ) انظر ما سلف ص : 425 - 426 .