محمد بن جرير الطبري
426
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وفي وجود السحر في كل زمان ووقت ، أبين الدلالة على فساد هذا القول . وقد يزعم قائل ذلك أنهما رجلان من بني آدم ، لم يعدما من الأرض منذ خلقت ، ولا يعدمان بعد ما وجد السحر في الناس ، فيدعي ما لا يخفى بُطوله . ( 1 ) * * * فإذْ فسدت هذه الوجوه التي دللنا على فسادها ، فبَيِّنٌ أن معنى ( ما ) التي في قوله : ( وما أنزل على الملكين ) بمعنى " الذي " ، وأن " هاروت وماروت " ، مترجم بهما عن الملكين ، ولذلك فتحت أواخر أسمائهما ، لأنهما في موضع خفض على الرد على " الملكين " . ولكنهما لما كانا لا يجران ، فتحت أواخر أسمائهما . * * * فإن التبس على ذي غباء ما قلنا فقال : وكيف يجوز لملائكة الله أن تعلم الناس التفريق بين المرء وزوجه ؟ أم كيف يجوز أن يضاف إلى الله تبارك وتعالى إنزال ذلك على الملائكة ؟ قيل له : إن الله جل ثناؤه عرف عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه ، ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم منهم بما يؤمرون به وينهون عنه . ولو كان الأمر على غير ذلك ، لما كان للأمر والنهي معنى مفهوم . فالسحر مما قد نهى عباده من بني آدم عنه ، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علمه الملكين اللذين سماهما في تنزيله ، وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم - كما أخبر عنهما أنهما يقولان لمن يتعلم ذلك منهما : ( إنما نحن فتنة فلا تكفر ) - ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن التفريق بين المرء وزوجه ، وعن السحر ، فيمحص المؤمن بتركه التعلم منهما ، ويخزي الكافر بتعلمه السحر والكفر منهما . ويكون الملكان في تعليمهما من علما ذلك - لله مطيعين ، إذْ كانا = عن إذن الله لهما بتعليم ذلك من علماه = يعلمان . وقد عبد من دون الله جماعة من أولياء الله ، فلم يكن ذلك لهم ضائرا ،
--> ( 1 ) بطل الشيء يبطل بطلا وبطولا وبطلانا . وهذا باطل بين البطول والبطلان .