محمد بن جرير الطبري

406

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

الناس ذلك الحديث في الكتب ، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب . فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب ، فجعلها في صندوق ، ثم دفنها تحت كرسيه . ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق ، وقال : لا اسمع أحدا يذكر أن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه ! فلما مات سليمان ، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ، وخلف بعد ذلك خلف ، تمثل الشيطان في صورة إنسان ، ثم أتى نفرا من بني إسرائيل ، فقال : هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا ؟ ( 1 ) قالوا : نعم . قال : فاحفروا تحت الكرسي . وذهب معهم فأراهم المكان . وقام ناحية . ( 2 ) فقالوا له : فادن ! قال : لا ولكني هاهنا في أيديكم ، فإن لم تجدوه فاقتلوني ! فحفروا فوجدوا تلك الكتب . فلما أخرجوها قال الشيطان : إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر . ثم طار فذهب . وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا ، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب ، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم خاصموه بها ، فذلك حين يقول : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) . ( 3 ) 1647 - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع في قوله : ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ) ، قالوا : إن اليهود سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم زمانا عن أمور من التوراة ، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه ، فيخصمهم . ( 4 ) فلما رأوا ذلك قالوا : هذا أعلم بما أنزل إلينا منا ! وأنهم سألوه عن السحر وخاصموه به ، فأنزل الله جل وعز : ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) . وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر

--> ( 1 ) لا تأكلونه : أي لا تنفدونه أبدا . يقال : أكل فلان عمره : إذا أفناه . ( 2 ) في المطبوعة : " فقام " ، والصواب ما أثبته من تفسير ابن كثير . ( 3 ) الأثر : 1646 - في تفسير ابن كثير 1 : 249 . ( 4 ) خاصمني فخصمته أخصمه : غلبته بالحجة في خصومي .