محمد بن جرير الطبري

388

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بذلك قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد أمر محمدا في أول الآية أن يخبر اليهود بذلك عن نفسه - ولم يقل : فإنه نزله على قلبي = ولو قيل : " على قلبي " كان صوابا من القول = لأن من شأن العرب إذا أمرت رجلا أن يحكي ما قيل له عن نفسه ، أن تخرج فعل المأمور مرة مضافا إلى كناية نفس المخبر عن نفسه ، إذ كان المخبر عن نفسه ؛ ومرة مضافا إلى اسمه ، كهيئة كناية اسم المخاطب لأنه به مخاطب . فتقول في نظير ذلك : " قل للقوم إن الخير عندي كثير " - فتخرج كناية اسم المخبر عن نفسه ، لأنه المأمور أن يخبر بذلك عن نفسه - : و " قل للقوم إن الخير عندك كثير " - فتخرج كناية اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب ، لأنه وإن كان مأمورا بقيل ذلك ، فهو مخاطب مأمور بحكاية ما قيل له . وكذلك : " لا تقل للقوم إني قائم " و " لا تقل لهم إنك قائم " ، و " الياء " من " إني " اسم المأمور بقول ذلك ، على ما وصفنا . ومن ذلك قول الله عز وجل : ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ) و ( تغلبون ) [ آل عمران : 12 ] ، بالياء والتاء . ( 1 ) * * * وأما " جبريل " فإن للعرب فيه لغات . فأما أهل الحجاز فإنهم يقولون " جبريل ، وميكال " بغير همز ، بكسر الجيم والراء من " جبريل " وبالتخفيف . وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل المدينة والبصرة . أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون : " جَبرئيل وميكائيل " على مثال " جبرعيل وميكاعيل " ، بفتح الجيم والراء ، وبهمز ، وزيادة ياء بعد الهمزة . وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل الكوفة ، كما قال جرير بن عطية : عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد . . . وبجَبرَئيل وكذبوا ميكالا ( 2 )

--> ( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 63 . ( 2 ) ديوانه : 450 ، ونقائض جرير والأخطل : 87 ، من قصيدته الدامغة في هجاء الأخطل ، والضمير إلى تغلب ، رهط الأخطل ، وقبله : قبح الإله وجوه تغلب ، كلما . . . شَبَح الحجيج وكبروا إهلالا