محمد بن جرير الطبري

353

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

إذا ما انتسبنا ، لم تلدني لئيمة . . . ولم تجدي من أن تُقِري به بُدَّا ( 1 ) فالجزاء للمستقبل ، والولادة كلها قد مضت . وذلك أن المعنى معروف ، فجاز ذلك . قال : ومثله في الكلام : " إذا نظرت في سيرة عمر ، لم تجده يسيء " . ( 2 ) المعنى : لم تجده أساء . فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيه ، لم يقع في الوهم أنه مستقبل . فلذلك صلحت " من قبل " مع قوله : ( فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ) . قال : وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة ، إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا ، فتولوهم على ذلك ورضوا به ، فنسب القتل إليهم . ( 3 ) * * * قال أبو جعفر : والصواب فيه من القول عندنا ، أن الله خاطب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل - بما خاطبهم في سورة البقرة وغيرها من سائر السور - بما سلف من إحسانه إلى أسلافهم ، وبما سلف من كفران أسلافهم نعمه ، وارتكابهم معاصيه ، واجترائهم عليه وعلى أنبيائه ، وأضاف ذلك إلى المخاطبين به ، نظير قول العرب بعضها لبعض : فعلنا بكم يوم كذا كذا وكذا ، وفعلتم بنا يوم كذا كذا وكذا - على نحو ما قد بيناه في غير موضع من كتابنا هذا - ، ( 4 ) يعنون بذلك أن أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم ، وأن أوائلنا فعلوا ذلك بأوائلكم . فكذلك ذلك في قوله : ( فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ) ، إذْ كان قد خرج على لفظ الخبر عن المخاطبين به خبرا من الله تعالى ذكره عن

--> ( 1 ) سلف تخريجه في هذا الجزء 2 : 165 . ( 2 ) في معاني القرآن للفراء : " لم يسئ " ، بحذف " تجده " . ( 3 ) في المطبوعة : " فتلوهم على ذلك ورضوا . فنسب . . " ، والصواب ما أثبته من معاني القرآن للفراء 1 : 60 - 61 ، وهذا الذي نقله الطبري هو نص كلامه . ( 4 ) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 302 تعليق : 1 والمراجع .