محمد بن جرير الطبري
337
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام ، فتأتي بأشياء لها أجوبة ، فتحذف أجوبتها ، لاستغناء سامعيها - بمعرفتهم بمعناها - عن ذكر الأجوبة ، كما قال جل ثناؤه : ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا ) [ سورة الرعد : 31 ] ، فترك جوابه . والمعنى : " ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن - استغناء بعلم السامعين بمعناه . قالوا : فكذلك قوله : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ) . * * * وقال آخرون : جواب قوله : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله ) في " الفاء " التي في قوله : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) ، وجواب الجزاءين في " كفروا به " ، كقولك : " لما قمت ، فلما جئتنا أحسنت " ، بمعنى : لما جئتنا إذْ قمت أحسنت . ( 1 ) * * * القول في تأويل قوله تعالى : { فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 89 ) } قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى على معنى اللعنة ، وعلى معنى " الكفر " ، بما فيه الكفاية . ( 2 ) * * * فمعنى الآية : فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه ، المنكرين لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ففي إخبار الله عز وجل عن اليهود - بما أخبر الله عنهم بقوله : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) - البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، بعد قيام الحجة بنبوته عليهم ، وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم . * * *
--> ( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 59 . ( 2 ) انظر ما سلف ( الكفر ) 1 : 255 ، 382 ، 522 ، وهذا الجزء ( اللعنة ) 2 : 328