محمد بن جرير الطبري

316

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال : فكأنهم نحوا بقراءتهم : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) . وما الله بغافل ، يا معشر اليهود ، عما تعملون أنتم . * * * وأعجب القراءتين إلي قراءة من قرأ ب‍ " الياء " ، اتباعا لقوله : ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم ) ، ولقوله : ( ويوم القيامة يردون ) . لأن قوله : ( وما الله بغافل عما يعملون ) إلى ذلك ، أقرب منه إلى قوله : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ، فاتباعه الأقرب إليه ، أولى من إلحاقه بالأبعد منه . والوجه الآخر غير بعيد من الصواب . * * * وتأويل قوله : " وما الله بغافل عما يعملون " ، ( 1 ) وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة ، بل هو محص لها وحافظها عليهم حتى يجازيهم بها في الآخرة ، ويخزيهم في الدنيا ، فيذلهم ويفضحهم . ( 2 ) * * * القول في تأويل قوله تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 ) } قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه أولئك الذين أخبر عنهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ، فيفادون أسراهم من اليهود ، ويكفرون ببعض ، فيقتلون من حرم الله عليهم قتله من أهل ملتهم ، ويخرجون من داره من حرم الله عليهم إخراجه من داره ، نقضا لعهد الله وميثاقه في التوراة إليهم . فأخبر جل ثناؤه أن هؤلاء [ هم ] الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا على الضعفاء وأهل الجهل والغباء من أهل ملتهم ، ( 3 ) وابتاعوا المآكل الخسيسة الرديئة فيها بالإيمان ، الذي كان يكون لهم به في الآخرة - لو كانوا أتوا به مكان الكفر - الخلود في الجنان . وإنما وصفهم الله جل ثناؤه

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وتأويل قوله : وما الله بساه " ، لم يذكر الآية ، والصواب إثباتها . ( 2 ) مضى تفسير معنى " الغفلة " فيما سلف من هذا الجزء 2 : 244 ( 3 ) ما بين القوسين زيادة ، لا يستقيم الكلام بطرحها .