محمد بن جرير الطبري
293
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
* * * و " المسكين " ، هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة ، وهو " مفعيل " من " المسكنة " . و " المسكنة " هي ذل الحاجة والفاقة . ( 1 ) * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } قال أبو جعفر : إن قال قائل : كيف قيل : ( وقولوا للناس حسنا ) ، فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمر ، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر ؟ قيل : إن الكلام ، وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر ، فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب بالأمر والنهي . فلو كان مكان : " لا تعبدون إلا الله " ، لا تعبدوا إلا الله - على وجه النهي من الله لهم عن عبادة غيره - كان حسنا صوابا . وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب . وإنما حسن ذلك وجاز - لو كان مقروءا به - لأن أخذ الميثاق قول . فكان معنى الكلام - لو كان مقروءا كذلك - : وإذ قلنا لبني إسرائيل : لا تعبدوا إلا الله ، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) [ البقرة : 63 ] . فلما كان حسنا وضع الأمر والنهي في موضع : ( لا تعبدون إلا الله ) ، عطف بقوله : ( وقولوا للناس حسنا ) ، على موضع ( لا تعبدون ) ، وإن كان مخالفا كل واحد منهما معناه معنى ما فيه ، ( 2 ) لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنهي موضع " لا تعبدون " . فكأنه قيل : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله ، وقولوا للناس حسنا . وهو نظير ما قدمنا البيان عنه : من أن العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر عن الغائب في موضع الحكاية لما أخبرت عنه ، ( 3 ) ثم تعود إلى الخبر على
--> ( 1 ) انظر ما سلف في هذا الجزء : 2 : 137 . ( 2 ) في المطبوعة : " ومعناه " بزيادة الواو ، والصواب حذفها . ( 3 ) في المطبوعة : " في موضع الحكايات كما أخبرت عنه " ، والصواب ما أثبته .