محمد بن جرير الطبري

289

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فكذلك قوله : ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ) و ( لا يعبدون ) . من قرأ ذلك " بالتاء " فمعنى الخطاب ، إذ كان الخطاب قد كان بذلك . ومن قرأ " بالياء " فلأنهم ما كانوا مخاطبين بذلك في وقت الخبر عنهم . * * * وأما رفع " لا تعبدون " ، فبالتاء التي في " تعبدون " ، ولا ينصب ب‍ " أن " التي كانت تصلح أن تدخل مع ( لا تعبدون إلا الله ) . لأنها إذا صلح دخولها على فعل فحذفت ولم تدخل ، كان وجه الكلام فيه الرفع ، كما قال جل ثناؤه : ( قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ) [ الزمر : 64 ] ، فرفع " أعبد " إذ لم تدخل فيها " أن " - بالألف الدالة على معنى الاستقبال ، وكما قال الشاعر : ( 1 ) ألا أيهذا الزاجري أحضرُ الوغى . . . وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي ( 2 ) فرفع " أحضر " وإن كان يصلح دخول " أن " فيها - إذ حذفت ، بالألف التي تأتي بمعنى الاستقبال . وإنما صلح حذف " أن " من قوله : ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون ) ، لدلالة ما ظهر من الكلام عليها ، فاكتفى - بدلالة الظاهر عليها - منها . ( 3 ) * * * وقد كان بعض نحويي البصرة يقول : معنى قوله : ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ) ، حكاية ، كأنك قلت : استحلفناهم : لا تعبدون ، أي قلنا لهم : والله لا تعبدون - وقالوا : والله لا يعبدون . والذي قال من ذلك ، قريب معناه من معنى القول الذي قلنا في ذلك .

--> ( 1 ) هو طرفة بن العبد . ( 2 ) ديوانه : 317 ( أشعار الستة الجاهليين ) ، من معلقته النفيسة وسيأتي في 21 : 22 / 30 : 130 ( بولاق ) ، وسيبويه 1 : 452 . ( 3 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 53 - 54 .