محمد بن جرير الطبري
272
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أيوب ، عن محمد بن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار . قال : ويل ، واد في جهنم ، لو سيرت فيه الجبال لانماعت من شدة حره . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : ما وجه قوله : ( 2 ) ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ) ؟ وهل تكون الكتابة بغير اليد ، حتى احتاج المخاطبون بهذه المخاطبة ، إلى أن يخبروا عن هؤلاء - القوم الذين قص الله قصتهم - أنهم كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم ؟ قيل له : إن الكتاب من بني آدم ، وإن كان منهم باليد ، فإنه قد يضاف الكتاب إلى غير كاتبه وغير المتولي رسم خطه فيقال : كتب فلان إلى فلان بكذا " ، وإن كان المتولي كتابته بيده ، غير المضاف إليه الكتاب ، إذا كان الكاتب كتبه بأمر المضاف إليه الكتاب . فأعلم ربنا بقوله : ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ) عباده المؤمنين ، أن أحبار اليهود تلي كتابة الكذب والفرية على الله بأيديهم ، على علم منهم وعمد للكذب على الله ، ثم تنحله إلى أنه من عند الله وفي كتاب الله ، ( 3 ) تَكَذُّبا على الله وافتراء عليه . فنفى جل ثناؤه بقوله : ( يكتبون الكتاب بأيديهم ) ، أن يكون ولي كتابة ذلك بعض جهالهم بأمر علمائهم وأحبارهم . وذلك نظير قول القائل : " باعني فلان عينُه كذا وكذا ، فاشترى فلان نفسه كذا " ، يراد بإدخال " النفس والعين " في ذلك ، نفي اللبس عن سامعه ، أن يكون المتولي بيع ذلك أو شراءه ، غير الموصوف له أمره ، ( 4 ) ويوجب حقيقة الفعل للمخبر
--> ( 1 ) سيرت : أدخلت ودفعت لتسير . وانماع الملح في الماء : ذاب . وفي اللسان روى تفسير عطاء ، وفيه : " لماعت " ، أي ذابت وسالت . ( 2 ) في المطبوعة : " فما وجه فويل للذين . . " ، كأنه سقط حرف من ناسخ أو طابع . ( 3 ) يقال : نحل فلان فلانا شعرا : نسبه إليه باطلا . وكره الطبري أن يقول ما لا يجوز لأحد في ذكر ربه سبحانه وتعالى ، فانتهج طريقا في أساليب العربية ، فقال : " فنحله إلى أنه من عند الله " أي نسبه باطلا إلى أنه من عند الله . ولم يعد الفعل إلى مفعوليه . ( 4 ) كان في المطبوعة : " أن يكون المتولى بيع ذلك وشراءه ، غير الموصوف به بأمره " وهو كلام غير واضح ولا مفهوم ، فآثرت أن أصححه ما استطعت .