محمد بن جرير الطبري
258
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
المبارك ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم : ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ) ، قال : منهم من لا يحسن أن يكتب . ( 1 ) 1357 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( ومنهم أميون ) قال : أميون لا يقرءون الكتاب من اليهود . * * * وروي عن ابن عباس قول خلاف هذا القول ، وهو ما : - 1358 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( ومنهم أميون ) ، قال : الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله ، ولا كتابا أنزله الله ، فكتبوا كتابا بأيديهم ،
--> ( 1 ) قوله " لا يحسن أن يكتب " نفى لمعرفة الكتابة ، لا لجودة معرفة الكتابة ، كما يسبق إلى الوهم . وقديما قام بعض أساتذتنا يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يعرف الكتابة ، ولكنة لا يحسنها ، لخبر استدل به هو - أو اتبع فيه من استدل به من أعاجم المستشرقين - وهو ما جاء في تاريخ الطبري 3 : 80 في شرح قصة الحديبية ، حين جاء سهيل بن عمرو ، لكتابة الصلح . روى الطبري عن البراء بن عازب قال : " . . فلما كتب الكتاب ، كتب : " هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله " ، فقالوا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك ، ولكن أنت محمد بن عبد الله . قال : أنا رسول الله ، وأنا محمد بن عبد الله . قال لعلي : امح " رسول الله " . قال : لا والله لا أمحاك أبدا . فأخذه رسول الله وليس يحسن يكتب : " فكتب مكان " رسول الله " " محمد " ، فكتب : " هذا ما قاضى عليه محمد " . فظن أولا أن ضمير الفاعل في قوله " فكتب مكان " رسول الله " - محمد " ، هو رسول الله صلى الله عليه . وليس كذلك بل هو : علي بن أبي طالب الكاتب . وفي الكلام اختصار ، فإنه لما أمر عليا أن يمحو الكتاب فأبى ، أخذه رسول الله ، وليس يحسن يكتب ، فمحاه . وتفسير ذلك قد أتى في حديث البخاري عن البراء بن عازب أيضًا 3 : 184 : " فقال لعلى " امحه . فقال على : ما أنا بالذي أمحاه فمحاه رسول الله صلى عليه وسلم بيده " . وأخرى أنه أخطأ في معنى " يحسن " ، فإنها هنا بمعنى " يعلم " ، وهو أدب حسن في العبارة ، حتى لا ينفي عنه العلم ، وقد جاء في تفسير الطبري 21 : 6 في تفسير قوله تعالى : " أحسن كل شيء خلقه " ، ما نصه : " معنى ذلك : أعلم كل شيء خلقه . كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم كل خلقه ما يحتاجون إليه . وأنه قوله : " أحسن " ، إنما هو من قول القائل : " فلا يحسن كذا " ، إذا كان يعلمه " . هذا ، والعرب تتأدب بمثل هذا ، فتضع اللفظ مكان اللفظ ؛ وتبطل بعض معناه ، ليكون تنزيها للسان ، أو تكرمه للذي تخبر عنه . فمعنى قوله : " ليس يحسن يكتب " ، أي ليس يعرف يكتب . وقد أطال السهيلي في الروض الأنف 1 : 230 بكلام ليس يغني في تفسير هذا الكلمة .