محمد بن جرير الطبري
235
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
يعني : قلوبهم - عن الإذعان لواجب حق الله عليهم ، والإقرار له باللازم من حقوقه لهم - أشد صلابة من الحجارة . ( 1 ) * * * فإن سأل سائل فقال : وما وجه قوله : ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) ، و " أو " عند أهل العربية ، إنما تأتي في الكلام لمعنى الشك ، والله تعالى جل ذكره غير جائز في خبره الشك ؟ قيل : إن ذلك على غير الوجه الذي توهمته ، من أنه شك من الله جل ذكره فيما أخبر عنه ، ولكنه خبر منه عن قلوبهم القاسية ، أنها - عند عباده الذين هم أصحابها ، الذين كذبوا بالحق بعد ما رأوا العظيم من آيات الله - كالحجارة قسوة أو أشد من الحجارة ، عندهم وعند من عرف شأنهم . * * * وقد قال في ذلك جماعة من أهل العربية أقوالا فقال بعضهم : إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله : ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) ، وما أشبه ذلك من الأخبار التي تأتي ب " أو " ، كقوله : ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) [ الصافات : 147 ] ، وكقول الله جل ذكره : ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) [ سبأ : 24 ] [ الإبهام على من خاطبه ] ( 2 ) فهو عالم أي ذلك كان . قالوا : ونظير ذلك قول القائل : أكلت بسرة أو رطبة ، ( 3 ) وهو عالم أي ذلك أكل ، ولكنه أبهم على المخاطب ، كما قال أبو الأسود الدؤلي : أحب محمدا حبا شديدا . . . وعباسا وحمزة والوصيا ( 4 )
--> ( 1 ) كانت هذه الجملة في المطبوعة هكذا : " كالحجارة صلابة ويبسا وغلظا وشدة ، أو أشد صلابة ، يعني قلوبكم عن الإذعان لواجب حق الله عليهم ، والإقرار له باللازم من حقوقه لهم من الحجارة " . وكأنها سهو من الناسخ ، فرددته إلى أصله بحمد الله . ( 2 ) اللسان ( سكن ) . غاله الشيء يغوله : ذهب به فلم تدر أين هو وأجن : ستر وأخفى . ( 3 ) ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام ، استظهرته من قوله بعد : " ولكنه أبهم على المخاطب " ، ومن تفسير ابن كثير 1 : 209 ، 210 . ( 4 ) ديوانه : 32 ( من نفائس المخطوطات ) ، والأغاني 11 : 113 ، وإنباه الرواة 1 : 17 ، وسيأتي البيت الثاني وحده في 22 : 65 ( بولاق ) ورواية الديوان : " وفيهم أسوة إن كان غيا " .