محمد بن جرير الطبري
218
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قيلهم هذا . مع غلظ مؤونة ذبحها عليهم ، وثقل أمرها ، فقال : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) ، وإن كانوا قد قالوا - بقولهم : الآن بينت لنا الحق - هراء من القول ، وأتوا خطأ وجهلا من الأمر . وذلك أن نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم كان مبينا لهم - في كل مسألة سألوها إياه ، ورد رادوه في أمر البقر - ( 1 ) الحق . وإنما يقال : " الآن بينت لنا الحق " لمن لم يكن مبينا قبل ذلك ، فأما من كان كل قيله - فيما أبان عن الله تعالى ذكره - حقا وبيانا ، فغير جائز أن يقال له = في بعض ما أبان عن الله في أمره ونهيه ، وأدى عنه إلى عباده من فرائضه التي أوجبها عليهم : ( الآن جئت بالحق ) ، كأنه لم يكن جاءهم بالحق قبل ذلك ! * * * وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى : ( الآن جئت بالحق ) ، ويزعم أنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك ، وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر . وليس الذي قال من ذلك عندنا كما قال ، لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها ، وإن كان قيلهم الذي قالوه لموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ( 71 ) } قال أبو جعفر : يعني بقوله : ( فذبحوها ) ، فذبح قوم موسى البقرة ، التي وصفها الله لهم وأمرهم بذبحها . ويعني بقوله : ( وما كادوا يفعلون ) ، أي : قاربوا أن يَدَعوا ذبحها ، ويتركوا فرض الله عليهم في ذلك . * * * ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم ، في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك . فقال بعضهم : ذلك السبب كان
--> ( 1 ) السياق : " كان مبينا لهم . . الحق " ، ما بينهما فصل ، كعادته في الفصل .