محمد بن جرير الطبري
215
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
يقول : إنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض وقلبها للحراثة ، ولا السنو عليها للمزارع ، ( 1 ) وهي مع ذلك صحيحة مسلمة من العيوب . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { لا شِيَةَ فِيهَا } قال أبو جعفر : يعني بقوله : ( لا شية فيها ) ، لا لون فيها يخالف لون جلدها . وأصله من " وشي الثوب " ، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه ، بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته ، ( 2 ) يقال منه : " وشيت الثوب فأنا أشيه شية ووشيا " ، ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان أو غيره : " واش " ، لكذبه عليه عنده ، وتحسينه كذبه بالأباطيل . يقال منه : " وشيت به إلى السلطان وشاية " . ومنه قول كعب بن زهير : تسعى الوشاة جَنَابَيْها وقولهُمُ . . . إنك يا ابن أبي سُلمى لمقتول ( 3 ) و " الوشاة جمع واش " ، يعني أنهم يتقولون بالأباطيل ، ويخبرونه أنه إن لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم قتله . وقد زعم بعض أهل العربية أن " الوشي " ، العلامة . وذلك لا معنى له ، إلا أن يكون أراد بذلك تحسين الثوب بالأعلام . لأنه معلوم أن القائل : " وشيت بفلان إلى فلان " غير جائز أن يتوهم عليه أنه أراد : جعلت له عنده علامة .
--> ( 1 ) انظر ما سلف في هذا الجزء : 211 تعليق : 1 . ( 2 ) السدَى : الأسفل من الثوب ، واللُّحمة : الأعلى منه يداخل السدَى . ( 3 ) ديوانه : 19 ، وسيرة ابن هشام 4 : 153 ، والروض الأنف 2 : 314 ، والفائق ( قحل ) ورواية الديوان " بجنبيها " ورواية ابن هشام : " تسعى الغواة " . وقوله : " جنابيها " . والجناب : الناحية ، ويريد ناحية الجنب . يقال : " جنبيه ، وجانبيه ، وجنابيه ، . والضمير في قوله : " جنابيها " لناقته التي ذكرها قبل . وقوله : " وقولهم : إنك . . " ، حال ، أي : وهم يقولون ، والمعنى يكثرون القول عليه : إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول ، كأنهم لا يقولون غير ذلك ، ترهيبا له وتخويفا .