محمد بن جرير الطبري
163
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) [ التوبة : 75 ] ، ونبذوا ذلك وراء ظهورهم * * * ومن شأن العرب استعارة الكلمة ووضعها مكان نظيرها ، كما قال أبو خراش الهذلي : ( 1 ) فليس كعهد الدار يا أم مالك . . . ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل ( 2 ) وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل . . . سوى الحق شيئا واستراحل ( 3 ) يعني بقوله : " أحاطت بالرقاب السلاسل " ، أن الإسلام صار - في منعه إيانا ما كنا نأتيه في الجاهلية ، مما حرمه الله علينا في الإسلام - بمنزلة السلاسل المحيطة برقابنا ، التي تحول بين من كانت في رقبته مع الغل الذي في يده ، وبين ما حاول أن يتناوله . ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى . فكذلك قوله : ( ثم توليتم
--> ( 1 ) كان في المطبوعة : " قال أبو ذؤيب الهذلي " ، وهو خطأ فاضح ، لا يقع في مثله مثل أبي جعفر . ( 2 ) ديوان الهذليين 2 : 150 ، وسيرة ابن هشام 4 : 116 ، والأغاني 21 : 41 ، والكامل 1 : 267 . وهي أبيات جياد في رثاء صديق . وذلك أن زهير بن العجوة الهذلي من بني عمرو بن الحارث - وكان ابن عم أبي خراش ، وله صديقا - خرج يطلب الغنائم يوم حنين فأسر ، وكتف في أناس أخذهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرآه جميل بن معمر الجمحي - وكانت بينهما إحنة في الجاهلية - فقال له : أنت الماشي لنا بالمغايظ ؟ فضرب عنقه ، فقال أبو خراش يرثيه . وقال لجميل بن معمر : وإنك لو واجهته إذ لقيته . . . فنازلته ، أو كنت ممن ينازل لظل جميل أسوأ القوم تلة . . . ولكن قرن الظهر للمرء شاغل فليس كعهد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المطبوعة : " فليس لعهد الدار " خطأ . ويعني بقوله : " الدار " : مكة وما حولها وما جاورها . يقول : ليس الأمر كما عهدت بها وعهدتا ، جاء الإسلام فهدم ذلك كله . ( 3 ) يقول : فارق الفتى أخلاق فتوته وعرامه ، وصار كالكهل في أناته وتثبته ، فإن الدين قد وقذ الفتيان ذوى البأس وسكنهم من مخافة عقاب ربهم في القتل من غير قتال ومعركة . فاستراحت العواذل لأنهن أصبحن لا يجدن ما يعذلن فيه أزواجهن من التعرض للهلاك .