محمد بن جرير الطبري

153

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

خرج في أرض العرب فإن أدركته فآمن به واتبعه . فقال له سلمان : فأخبرني عن علامته بشيء . قال : نعم ، هو مختوم في ظهره بخاتم النبوة ، وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة . ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد ، فناداهما فقال : يا سيد الرهبان ، ارحمني يرحمك الله ! فعطف إليه حماره ، فأخذ بيده فرفعه ، فضرب به الأرض ودعا له وقال : قم بإذن الله ! فقام صحيحا يشتد ، ( 1 ) فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر إليه يشتد . وسار الراهب فتغيب عن سلمان ، ولا يعلم سلمان . ثم إن سلمان فزع فطلب الراهب . فلقيه رجلان من العرب من كلب ، فسألهما : هل رأيتما الراهب ؟ فأناخ أحدهما راحلته ، قال : نعم راعي الصرمة هذا ! ( 2 ) فحمله فانطلق به إلى المدينة . قال سلمان : فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط . فاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم هذا يوما وهذا يوما ، فكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد صلى الله عليه وسلم . فبينا هو يوما يرعى ، إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه ، ( 3 ) فقال : أشعرت أنه قد قدم اليوم المدينة رجل يزعم أنه نبي ؟ ( 4 ) فقال له سلمان : أقم في الغنم حتى آتيك . فهبط سلمان إلى المدينة ، فنطر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودار حوله . فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد ، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه ، فلما رآه أتاه وكلمه . ثم انطلق فاشترى بدينار ، ببعضه شاة وببعضه خبزا ، ثم أتاه به . فقال : " ما هذا " ؟ قال سلمان : هذه صدقة قال : لا حاجة لي بها ،

--> ( 1 ) اشتد : عدا وأسرع . ( 2 ) الصرمة : القطيع من الإبل والغنم . ( 3 ) عقبه يعقبه : جاء بعده في نوبته ، ومنه التعاقب : أن يأتب هذا ويذهب ذاك . ( 4 ) أشعرت : علمت .