محمد بن جرير الطبري

151

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وهو يبكي . فسألاه : ما هذا ؟ فقال : الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما ، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتى أعلمكما . فنزلا إليه ، فقال لهما : هذا كتاب جاء من عند الله ، أمر فيه بطاعته ونهى عن معصيته ، فيه : أن لا تزني ، ولا تسرق ، ولا تأخذ أموال الناس بالباطل . فقص عليهما ما فيه ، وهو الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى . فوقع في قلوبهما ، وتابعاه فأسلما . وقال لهما : إن ذبيحة قومكما عليكما حرام . فلم يزالا معه كذلك يتعلمان منه ، حتى كان عيد للملك ، فجعل طعاما ، ( 1 ) ثم جمع الناس والأشراف ، وأرسل إلى ابن الملك فدعاه إلى صنيعه ليأكل مع الناس . فأبى الفتى ، وقال : إني عنك مشغول ، فكل أنت وأصحابك . فلما أكثر عليه من الرسل ، أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم . فبعث الملك إلى ابنه فدعاه . وقال : ما أمرك هذا ؟ قال : إنا لا نأكل من ذبائحكم ، إنكم كفار ، ليس تحل ذبائحكم . فقال له الملك : من أمرك بهذا ؟ فأخبره أن الراهب أمره بذلك . فدعا الراهب فقال : ماذا يقول ابني ؟ قال : صدق ابنك . قال له : لولا أن الدم فينا عظيم لقتلتك ، ولكن اخرج من أرضنا . فأجله أجلا . فقال سلمان : فقمنا نبكي عليه ، فقال لهما : إن كنتما صادقين ، فإنا في بِيعة بالموصل مع ستين رجلا نعبد الله فيها ، فأتونا فيها . فخرج الراهب ، وبقي سلمان وابن الملك : فجعل يقول لابن الملك : انطلق بنا ! وابن الملك يقول : نعم . وجعل ابن الملك يبيع متاعه يريد الجهاز . فلما أبطأ على سلمان ، خرج سلمان حتى أتاهم ، فنزل على صاحبه ، وهو رب البيعة .

--> ( 1 ) في الدر المنثور : " فجمع طعاما " ، وأظن أن الصواب : فصنع طعاما " ، ويدل على صواب ذلك قوله بعد : " فدعاه إلى صنيعه " . يقال : صنع لهم طعاما ، وكنت في صنيع فلان : أي مأدبته ومدعاته .