محمد بن جرير الطبري
149
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
جاء به ، فمن يؤمن منهم بمحمد ، وبما جاء به واليوم الآخر ، ويعمل صالحا ، فلم يبدل ولم يغير حتى توفي على ذلك ، فله ثواب عمله وأجره عند ربه ، كما وصف جل ثناؤه . فإن قال قائل : وكيف قال : " فلهم أجرهم عند ربهم " ، وإنما لفظه " من " لفظ واحد ، والفعل معه موحد ؟ قيل : " من " ، وإن كان الذي يليه من الفعل موحدا ، فإن معنى الواحد والاثنين والجمع ، والتذكير والتأنيث ، لأنه في كل هذه الأحوال على هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير . فالعرب توحد معه الفعل - وإن كان في معنى جمع - للفظه ، وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه ، كما قال جل ثناؤه : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ ) [ يونس : 42 - 43 ] . فجمع مرة مع " من " الفعل لمعناه ، ووحد أخرى معه الفعل لأنه في لفظ الواحد ، كما قال الشاعر : ألما بسلمى عنكما إن عرضتما ، . . . وقولا لها : عوجي على من تخلفوا ( 1 )
--> ( 1 ) في ديوان لامرىء القيس ، منسوب إليه من قصيدة عدتها 23 بيتا ، وفيه : " ويقال إنها لرجل من كندة " وأولها : ديار بها الظلمان والعِين تعكف . . . وقفت بها تبكي ودمعك يذرف والأضداد لابن الأنباري : 288 قال أنشده الفراء ، وروايته صدره : ( ألما بسلمى لمة إذ وقفتما ) والذي في رواية الطبري من قوله : " عنكما " زائدة في الكلام ، والعرب تقول : " سر عنك " ، و " أنفذ عنك " أي امض ، وجز - لا معنى ل " عنك " وفي حديث عمر رضي الله عنه : أنه طاف بالبيت مع يعلى بن أمية ، فلما انتهى إلى الركن الغربي الذي يلي الأسود قال له : ألا تستلم ؟ فقال : انفذ عنك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلمه . وفي الحديث تفسيره : أي دعه وتجاوزه . وقوله " عرضتما " من قولهم : عرض الرجل : إذا أتى العروض ( بفتح العين ) ، وهي مكة والمدينة وما حولهما .