محمد بن جرير الطبري

139

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " ذلك " ضرب الذلة والمسكنة عليهم ، وإحلاله غضبه بهم . فدل بقوله : " ذلك " - وهي يعني به ما وصفنا - على أن قول القائل : " ذلك يشمل المعاني الكثيرة إذا أشير به إليها . * * * ويعني بقوله : ( بأنهم كانوا يكفرون ) ، من أجل أنهم كانوا يكفرون . يقول : فعلنا بهم - من إحلال الذل والمسكنة والسخط بهم - من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ، كما قال أعشى بني ثعلبة : مليكيةٌ جَاوَرَتْ بالحجا . . . ز قوما عداة وأرضا شطيرا ( 1 ) بما قد تَرَبَّع روض القطا . . . وروض التناضِب حتى تصيرا ( 2 ) يعني بذلك : جاورت بهذا المكان ، هذه المرأة ، قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله - لمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده - ( 3 ) من تربعها روض القطا وروض التناضب .

--> ( 1 ) ديوانه : 67 . مليكية ، منسوبة إلى " المليك " : وهو الملك ، يعني من نبات الملوك . العداة ، جمع عاد ، وهو العدو . الشطير : البعيد ، والغريب ، أراد أنها في أرض مجهولة . وذكره الأرض في هذا البيت . يعني أنها نزلت ديار قوم نشبت العداوة بيننا وبينهم ، في غربة بعيدة . فصرت لا أقدر عليها . ( 2 ) قوله " بما " بمعنى بسبب تربعها وتربع القوم المكان وارتبعوه : أقاموا فيه في زمن الربيع . وروض القطا ، من أشهر رياض العرب ، في أرض الحجاز . وروض التناضب أيضًا بالحجاز عند سرف . وقوله : " حتى تصيرا " ، من قولهم صار الرجل يصير فهو صائر : إذا حضر الماء ، والقوم الذين يحضرون الماء يقال لهم : الصائرة . والصير ( بكسر الصاد ) الماء الذي يحضره الناس . يقول : اغتربت في غير قومها ، لما دفعها إلى ذلك طلب الربيع والخصب ومساقط الماء في البلاد . ( 3 ) كانت هذه الجملة في المخطوطات والمطبوعة هكذا : " وأرضا بعيدة من أهله بمكان قربها كان منه ومن قومه وبدلا من تربعها . . " ، وهو كلام لا معنى له . وقد جعلت " بمكان " ، " لمكان " و " بدلا " ، " بلده " . فصار لها معنى تطمئن إليه النفس والجملة بين الخطين اعتراض ، وتفسير لقوله : " أرضا بعيدة من أهله " .