محمد بن جرير الطبري
122
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أن الله كان جعل لكل سبط من الأسباط الاثني عشر ، عينا من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية ، يشرب منها دون سائر الأسباط غيره ، لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره . وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة ، موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه . فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم : أن كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس . إذ كان غيرهم - في الماء الذي لا يملكه أحد - شركاء في منابعه ومسايله . وكان كل سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر - دون سائر منابعه - خاص لهم دون سائر الأسباط غيرهم . فلذلك خصوا بالخبر عنهم : أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ } وهذا أيضا مما استغني بذكر ما هو ظاهر منه ، عن ذكره ما ترك ذكره . وذلك أن تأويل الكلام : ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر ) ، فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، قد علم كل أناس مشربهم ، فقيل لهم : كلوا واشربوا من رزق الله . أخبر الله جل ثناؤه أنه أمرهم بأكل ما رزقهم في التيه من المن والسلوى ، وبشرب ما فجر لهم فيه من الماء من الحجر المتعاور ، ( 1 ) الذي لا قرار له في الأرض ، ولا سبيل إليه [ إلا ] لمالكيه ، ( 2 ) يتدفق بعيون الماء ، ويزخر بينابيع العذب الفرات ، بقدرة ذي الجلال والإكرام . ثم تقدم جل ذكره إليهم ( 3 ) - مع إباحتهم ما أباح ، وإنعامه بما
--> ( 1 ) الحجر المتعاور : الحجر المتبادل ، ينقل من يد إلى يد . من تعاوروا الشيء : إذا تبادلوه ، ولا يتعاور شيء حتى يكون منقولا ، أما الثابت فلا يتعاوره الناس ولا يتبادلونه . ( 2 ) في المطبوعة : " لا سبيل إليه لمالكيه " ، وهو كلام بلا معنى . والصواب ما أثبتناه بزيادة " إلا " ويدل على صواب ذلك ما مضى منذ قليل في تفسير ما سبق من الآية . ( 3 ) تقدم إليه بكذا : إذا أمره .