محمد بن جرير الطبري
109
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أبيدوا بأيدي عصبة وسيوفهم . . . على أمهات الهام ضربا شآميا ( 1 ) وكقول القائل للرجل : " سمعا وطاعة " بمعنى : أسمع سمعا وأطيع طاعة ، وكما قال جل ثناؤه : ( معاذ الله ) [ يوسف : 23 ] بمعنى : نعوذ بالله . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { نَغْفِرْ لَكُمْ } يعني بقوله : ( نغفر لكم ) نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم ، ونسترها عليكم ، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها . * * * وأصل " الغفر " التغطية والستر ، فكل ساتر شيئا فهو غافره . ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جُنة للرأس " مغفر " ، لأنها تغطي الرأس وتجنه . ومثله " غمد السيف " ، وهو ما تغمده فواراه . ( 2 ) ولذلك قيل لزئبر الثوب : " غفرة " ، لتغطيته الثوب ، ( 3 ) وحوله بين الناظر والنظر إليه . ومنه قول أوس بن حجر :
--> ( 1 ) ديوانه : 890 في قصيدة يمدح فيها يزيد عبد الملك ، ويذكر إيقاعه بيزيد بن المهلب في سنة 102 ( انظر خبره في تاريخ الطبري 8 : 151 - 160 ) . ورواية ديوانه . " أناخوا بأيدي طاعة ، وسيوفهم " قوله : " أناخوا " ، أي ذلوا وخضعوا ، أو صرعوا فماتوا ، كأنهم إبل أناخت واستقرت . وقوله : " أيدي طاعة " ، أي أهل طاعة . ( 2 ) في المطبوعة " ومنه غمد السيف " ، وهذا يجعل الكلام مضطربا مقحما ، فرجح عندي أن تكون " ومنه " ، و " مثله " لأنه فسر " نغفر " بقوله " نتغمد " . وفي المطبوعة : " ما يغمده فيواريه " ، وأثبت ما في المخطوطة . ( 3 ) في المطبوعة : " غفر " . والغفر جمع غفرة ، وزئبر الثوب : هو ما يعلو الثوب الجديد من مائه ، كالذي يعلو القطيفة والخز ، ويسمونه " درز الثوب " أيضًا . وفي المطبوعة : " لتغطيته العورة . . والنظر إليها " ، وهي عبارة غريبة فاسدة ، والذي في المخطوطة " لتغطيته الثوب " كما أثبتناها ، يعني الزئبر كما وصفنا . ويقال غفر الثوب : إذا أثار زئبره ، يكون كالمنتفش على وجه الثوب . هذا ، وقد انتهت المخطوطة التي اعتمدنا عند قوله : " لتغطية الثوب " . ويأتي بعدها خرم طويل سيستغرق أجزاء برمتها ، كما سنبينه في مواضعه .