محمد بن جرير الطبري

99

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

له ذلك المخرجُ منه نجاةٌ . وكذلك إذا نُجِّي منه ، فقد نُصِر على من بَغَاه فيه سُوءًا ، وفُرِق بينه وبين باغيه السُّوءَ . فجميع ما روينا - عمن روينا عنه - في معنى " الفرقان " ، قولٌ صحيح المعاني ، لاتفاق معاني ألفاظهم في ذلك . وأصل " الفُرْقان " عندنا : الفرقُ بين الشيئين والفصل بينهما . وقد يكون ذلك بقضاءٍ ، واستنقاذٍ ، وإظهار حُجَّة ، ونَصْرٍ ( 1 ) وغير ذلك من المعاني المفرِّقة بين المحقّ والمبطِل . فقد تبين بذلك أنّ القرآن سُمّي " فرقانًا " ، لفصله - بحججه وأدلَّته وحدود فرائضه وسائر معاني حُكمه - بين المحق والمبطل . وفرقانُه بينهما : بنصره المحقّ ، وتخذيله المبطل ، حُكمًا وقضاءً . وأما تأويل اسمه الذي هو " كتابٌ " : فهو مصدر من قولك " كتبت كتابًا " كما تقولُ : قمت قيامًا ، وحسبت الشيء حسابًا . والكتابُ : هو خطُّ الكاتب حروفَ المعجم مجموعةً ومفترقة . وسُمي " كتابًا " ، وإنما هو مكتوب ، كما قال الشاعر في البيت الذي استشهدنا به : وفيها كِتابٌ مثلَ ما لَصِقَ الغِراءُ يعني به مكتوبًا . وأما تأويل اسمه الذي هو " ذِكْرٌ " ، فإنه محتمل معنيين : أحدهما : أنه ذكرٌ من الله جل ذكره ، ذكَّر به عباده ، فعرَّفهم فيه حدوده وفرائضه ، وسائرَ ما أودعه من حُكمه . والآخر : أنه ذكرٌ وشرف وفخرٌ لمن آمن به وصدَّق بما فيه ، كما قال جل ثناؤه : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ } [ سورة الزخرف : 44 ] ، يعني به أنه شرفٌ له ولقومه .

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وتصرف " مكان " ونصر " ، وهو خطأ محض .