محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
( القولُ في البيانِ عن اتفاق معاني آي القرآن ، ومعاني منطِق مَنْ نزل بلسانه القرآن من وَجْه البيان - والدّلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة - مع الإبانةِ عن فضْل المعنَى الذي به بَايَن القرآنُ سائرَ الكلام ) قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ ، رحمه الله : إن من أعظم نعم الله تعالى ذكره على عباده ، وجسيم مِنَّته على خلقه ، ما منحهم من فَضْل البيان الذي به عن ضمائر صُدورهم يُبينون ، وبه على عزائم نفوسهم يَدُلّون ، فذَلَّل به منهم الألسن ( 1 ) وسهَّل به عليهم المستصعب . فبِهِ إياه يُوَحِّدون ، وإيَّاه به يسَبِّحون ويقدِّسون ، وإلى حاجاتهم به يتوصّلون ، وبه بينهم يتَحاورُون ، فيتعارفون ويتعاملون . ثم جعلهم ، جلّ ذكره - فيما منحهم من ذلك - طبقاتٍ ، ورفع بعضهم فوق بعض درجاتٍ : فبَيْنَ خطيب مسْهِب ، وذَلِقِ اللسان مُهْذِب ، ومفْحَمٍ ( 2 ) عن نفسه لا يُبين ، وَعىٍّ عن ضمير قلبه لا يعبَر . وجعل أعلاهم فيه رُتبة ، وأرفعهم فيه درجةً ، أبلغَهم فيما أرادَ به بَلاغًا ، وأبينَهم عن نفسه به بيانَا . ثم عرّفهم في تنزيله ومحكم آيِ كتابه فضلَ ما حباهم به من البيان ، على من
--> ( 1 ) ذلل الشيء : لينه وسهله ونفى عنه جفوته وصعوبته . ( 2 ) أسهب الرجل : أكثر الكلام ، فإذا أكثر الكلام في خطأ قالوا : رجل مسهب ( بفتح الهاء ) ، وإذا أكثر وأصاب فهو مسهب ( بكسر الهاء ) . وذلق اللسان : فصيح طليق لا يتوقف . وقوله " مهذب " : من أهذب الطائر في طيرانه ، والفرس في عدوه ، والمتكلم في كلامه : أسرع وتابع ، وفي حديث أبي ذر " فجعل يهذبُ الركوع " أي يسرع فيه ويتابعه . يقال : كلمني فلان فأفحمته : أسكته فلم يطق جوابًا وانقطع ، فهو مفحم . وفي المطبوعة " ومعجم عن نفسه . . "