محمد بن جرير الطبري

75

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ذلك من الأخبار - التي يطُول باستيعابها الكتاب - الدالّةِ على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده علمُ أوقاتِ شيء منه بمقادير السِّنين والأيام ، وأن الله جل ثناؤه إنما كان عرَّفه مجيئه بأشراطه ، ووقَّته بأدلته . وأن منه ما يعلم تأويلَه كلُّ ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن . وذلك : إقامةُ إعرابه ، ومعرفةُ المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها ، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها ، فإنّ ذلك لاَ يجهله أحدٌ منهم . وذلك كسامعٍ منهم لو سمع تاليًا يتلو : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ } [ سورة البقرة : 11 ، 12 ] ، لم يجهلْ أنّ معنى الإفساد هو ما ينبغي تركهُ مما هو مضرَّة ، وأن الإصلاحَ هو ما ينبغي فِعله مما فعلهُ منفعةٌ ، وإنْ جَهِل المعانيَ التي جعلها الله إفسادًا ، والمعانيَ التي جَعلها الله إصْلاحًا . فالذي يعلمه ذو اللسان - الذي بلسانه نزل القرآنُ - من تأويل القرآن ، هو ما وصفتُ : مِنْ معرفة أعيان المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها ، والموصوفات بصفاتها الخاصة ، دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيآتها التي خص الله بعلمها نبيَّه صلى الله عليه وسلم ، فلا يُدرَك علمُهُ إلا ببيانِه ، دون ما استأثر الله بعلمه دون خلقه . وبمثل ما قُلنا من ذلك رُوي الخبر عن ابن عباس : 71 - حدثنا محمد بن بشّار ، قال : حدثنا مؤمَّل ، قال : حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، قال : قال ابن عباس : التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ : وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها ، وتفسير لاَ يُعذر أحدٌ بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره . قال أبو جعفر : وهذا الوجهُ الرابع الذي ذكره ابن عباس : مِنْ أنّ أحدًا