محمد بن جرير الطبري

64

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

جمعهم عليه . وعزم على كل من كان عنده مُصحفٌ مخالفٌ المصحفَ الذي جمعهم عليه ، أن يخرقه ( 1 ) . فاستوسقتْ له الأمة على ذلك بالطاعة ( 2 ) ورأت أنّ فيما فعلَ من ذلك الرشدَ والهداية ، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامُها العادلُ في تركها ، طاعةً منها له ، ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدَها من سائر أهل ملتها ، حتى دَرَست من الأمة معرفتها ، وتعفت آثارها ، فلا سبيلَ لأحد اليوم إلى القراءة بها ، لدثورها وعُفُوِّ آثارها ، وتتابعِ المسلمين على رفض القراءة بها ، من غير جحود منها صحتَها وصحةَ شيء منها ( 3 ) ولكن نظرًا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها . فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيقُ الناصحُ ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية . فإن قال بعضُ من ضعفت معرفته : وكيف جاز لهم تَركُ قراءة أقرأهموها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمرهم بقراءتها ؟ قيل : إن أمرَه إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمرَ إباحة ورخصة . لأنّ القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم ، لوجب أن يكونَ العلمُ بكل حرف من تلك الأحرف السبعة ، عند من تقوم بنقله الحجة ، ويقطع خبرهُ العذر ، ويزيل الشك من قَرَأةٍ الأمة ( 4 ) . وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين ، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجبُ بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة .

--> ( 1 ) في الموضعين من المطبوعة " وحرق " بالحاء المهملة و " يحرقه " وقال ابن حجر في الفتح 9 : 18 في شرح حديث البخاري : " في رواية الأكثر " أن يخرق " بالخاء المعجمة ، وللمروزي بالمهملة ، ورواه الأصيلي بالوجهين ، والمعجمة أثبت " . وخرق الكتاب أو الثوب : شققة ومزقه . ( 2 ) في المطبوع والمخطوط " فاستوثقت " . ونقله ابن كثير في الفضائل : 70 " فاستوسقت " وهو الصواب . واستوسق القوم : اجتمعوا وانضموا . وفي حديث النجاشي : " واستوسق عليه أمر الحبش " أي اجتمعوا على طاعته . واستوسق لفلان الأمر : إذا أمكنه واجتمع له . ( 3 ) قوله " من غير جحود منها " ، أي من الأمة ، وكذلك الضمائر فيما بعدها . ( 4 ) في المطبوع : " من قراءة الأمة " ، والقرأة : جمع قارئ ، وانظر ما مضى : 51 في التعليق وما سيأتي : 109 تعليق : 1 .