محمد بن جرير الطبري

57

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، على ما تقدم وَصْفُنَاهُ - أبينُ الدلالة على فساد القول بأن الأحرُف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن ، لا أنها لغاتٌ مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني . مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل - في تأويله قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ، وادّعائه أنّ معنى ذلك أنها سبعُ لغات متفرقة في جميع القرآن ، ثم جَمع بين قِيله ذلك ، واعتلالِه لقيلِه ذلك بالأخبار التي رويت عمن رُوِيَ ذلك عنه من الصحابة والتابعين أنه قال : هو بمنزلة قولك تعالَ وهلم وأقبل ؛ وأن بعضهم قال : هو بمنزلة قراءة عبد الله " إلازقيةً " ، وهي في قراءتنا " إلا صَيْحَة " وما أشبه ذلك من حُججه - ( 1 ) علم أن حججه مفسدةٌ في ذلك مقالتَه ، وأن مقالته فيه مُضادةٌ حججه . لأن الذي نزل به القرآن عندَه إحدى القراءتين - : إما " صيحة " ، وإما " زَقية " وإما " تعالَ " أو " أقبل " أو " هلم " - لا جميع ذلك . لأن كلّ لغة من اللغات السبع عنده في كلمة أو حرف من القرآن ، غيرُ الكلمة أو الحرف الذي فيه اللغة الأخرى . وإذْ كان ذلك كذلك ، بطل اعتلاله لقوله بقول من قال : ذلك بمنزله " هلم " و " تعال " و " أقبل " ، لأنّ هذه الكلمات هي ألفاظ مختلفة ، يجمعها في التأويل معنى واحد . وقد أبطل قائل هذا القول الذي حكينا قوله ، اجتماعَ اللغات السبع في حرف واحد من القرآن . فقد تبين بذلك إفسادُ حجته لقوله بقوله ، وإفساد قوله لحجته ( 2 ) . قيل له : ليس القولُ في ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصفتَ . بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بها القرآن ، هنّ لغات سبع ، في حرف واحد ، وكلمة واحدة ،

--> ( 1 ) جواب قوله : " . . إذا تدبر قول هذا القائل . . علم . . " ( 2 ) انتهى اعتراض المعترض الذي بدأ في ص : 55 ، ويليه جواب الطبري فيما اعترض به .