محمد بن جرير الطبري
532
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عن أكله من الشجرة ، بغير مباشرة خطابه إياه بما استزلّه به من القول والحيل - لما قال جلّ ثناؤه : " وقاسمَهما إني لكما لمن الناصحين " . كما غير جائز أن يقول اليوم قائلٌ ممن أتى معصية : قاسمني إبليس أنه لي ناصحٌ فيما زيَّن لي من المعصية التي أتيتها . فكذلك الذي كان من آدمَ وزوجته ، لو كان على النحو الذي يكون فيما بين إبليس اليومَ وذرية آدم - لما قال جلّ ثناؤه : " وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين " ، ولكن ذلك كان - إن شاء الله - على نحو ما قال ابن عباس ومن قال بقوله . فأما سَبب وصوله إلى الجنة حتى كلم آدم بعد أن أخرجه الله منها وطرده عنها ، فليس فيما رُوي عن ابن عباس ووهب بن منبه في ذلك معنى يجوز لذي فهم مُدافعته ، إذ كان ذلك قولا لا يدفعه عقل ولا خبر يلزم تصديقه من حجة بخلافه ( 1 ) ، وهو من الأمور الممكنة . والقول في ذلك أنه وصل إلى خطابهما على ما أخبرنا الله جل ثناؤه ( 2 ) ؛ وممكن أن يكون وصل إلى ذلك بنحو الذي قاله المتأولون ، بل ذلك - إن شاء الله - كذلك ، لتتابع أقوال أهل التأويل على تصحيح ذلك . وإن كان ابن إسحاق قد قال في ذلك ما : - 753 - حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : قال ابن إسحاق في ذلك ، والله أعلم ، كما قال ابن عباس وأهل التوراة : إنه خَلص إلى آدم وزوجته بسُلطانه الذي جعل الله له ليبتلي به آدم وذريته ، وأنه يأتي ابن آدم في نَوْمته وفي يَقظته ، وفي كل حال من أحواله ، حتى يخلص إلى ما أراد منه ، حتى يدعوَه إلى المعصية ، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه . وقد قال الله عز وجلّ : " فأزلهما الشيطان عنها ، فأخرَجهما مما كانا فيه " ( 3 ) ، وقال : ( يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ
--> ( 1 ) في المطبوعة : " إذا كان ذلك قولا لا يدفعه قول . . . " . ( 2 ) في المطبوعة : " والقول في ذلك . . . " . ( 3 ) في المطبوعة والمخطوطة : " وقد قال الله فوسوس لهما الشيطان ، فأخرجهما مما كان فيه " ، وهذه ليست آية ، والصواب أنه أراد آية سورة البقرة هذه .