محمد بن جرير الطبري
50
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
غيرَه على إنكاره سماعَ ذلك من قارئه ( 1 ) . بل على الإقرار بذلك كلِّه كان إسلامُ من أسلم منهم . فما الوجهُ الذي أوجبَ له إنكارَ ما أنكر ، إن لم يكن كان ذلك اختلافًا منهم في الألفاظ واللغات ؟ وبعد ، فقد أبان صحةَ ما قلنا الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصًّا . وذلك الخبر الذي ذكرنا : 47 - أن أبا كُريب حدثنا قال : حدثنا زيد بن الحباب ، عن حماد ابن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عبد الرحمن بن أبي بَكرة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال جبريل : اقرإ القرآنَ على حرف . قال ميكائيل عليه السلام : استزدْه . فقال : على حرفين . حتى بلغ ستَّة أو سبعةَ أحرف ، فقال : كلها شافٍ كافٍ ، ما لم يختم آيةَ عذاب بآية رحمة ، أو آيةَ رحمة بآية عذاب ، كقولك : هلمَّ وتعال ( 2 ) . فقد أوضح نصُّ هذا الخبر أنّ اختلاف الأحرف السبعة ، إنما هو اختلاف ألفاظ ، كقولك " هلم وتعال " باتفاق المعاني ، لا باختلاف معانٍ موجبةٍ اختلافَ أحكامٍ . وبمثل الذي قلنا في ذلك صحت الأخبارُ عن جماعة من السَّلَف والخلف . 48 - حدثني أبو السائب سَلْمُ بن جُنادة السُّوَائي ، قال : حدثنا أبو معاوية - وحدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبي عديّ عن شعبة - جميعًا عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : قال عبد الله : إني قد سمعت إلى القَرَأةِ ، فوجدتُهم متقاربين فاقرأوا كما عُلِّمتم ، وإياكم والتنطع ، فإنما هو كقول أحدكم : هلم وتعال ( 3 ) .
--> ( 1 ) يقول : " لم يكن منكرًا عند أحد منهم . . فيخاصم غيره " . فأطال الفصل . ( 2 ) الحديث 47 - مضى الحديث بهذا الإسناد ، رقم : 40 . فتلك إشارته بقوله هنا : " وذلك الخبر الذي ذكرنا أن أبا كريب حدثنا " ، إلخ . ( 3 ) الحديث 48 - أبو السائب سلم بن جنادة السوائي الكوفي ، شيخ الطبري : ثقة حجة لا شك فيه ، روى عنه البخاري في غير كتاب ( الجامع الصحيح ) ، والترمذي وابن ماجة وأبو حاتم ، وهو قديم الولاد ، ولد سنة 174 ، ومات سنة 254 . وله ترجمة في تاريخ بغداد 9 : 147 - 148 ، والتهذيب 4 : 128 - 129 ، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم : 2 \ 1 \ 269 . و " سلم " بفتح السين وسكون اللام ، ووقع في نسخ الطبري " سالم " ، وهو تحريف . و " جنادة " : بضم الجيم وتخفيف النون . و " السوائي " : بضم السين وتخفيف الواو وبعد الألف همزة ، نسبة إلى " بني سواءة بن عامر بن صعصعة " . وأبو معاوية : هو محمد بن خازم الضرير ، ولد سنة 113 ، ومات سنة 195 . فهذا الإسناد الأول عال جدًا . وذلك أن الطبري روى أثر ابن مسعود هذا بإسنادين : رواه عن سلم بن جنادة عن أبي معاوية عن الأعمش . ثم رواه عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن شعبة عن الأعمش . وهذا الأثر عن ابن مسعود لم نجده في غير هذا الكتاب ، إلا ما ذكره صاحب اللسان بغير إسناد ، كما سنشير إليه بعد ، إن شاء الله . وقوله " قد سمعت إلى القراءة فوجدتهم متقاربين " ، في المطبوعة " قد سمعت القراء " . و " القراء " : جمع " قارئ " ، كما هو واضح ، ولكن الذي في المخطوطة " إلى القراءة " ، بزيادة " إلى " وبلفظ " القراءة " ، بفتح الراء والهمزة ثم الهاء في آخره ، وهو جمع " قارئ " أيضًا ، ففي اللسان " رجل قارئ ، من قوم قراء ، وقرأة ، وقارئين " . وهذا الجمع قياسي ، مثل " كاتب وكتبة " . وانظر همع الهوامع للسيوطي 2 : 177 ، 178 . وهذا الأثر ذكره صاحب اللسان 1 : 124 ، قال : " وروى عن ابن مسعود : تسمعت للقرأة ، فإذا هم متقارئون . حكاه اللحياني ولم يفسره . قال ابن سيدة : وعندي أن الجن كانوا يرومون القراءة " ! وهكذا وقع الخطأ لهم قديمًا ، جعلوها " متقارئون " بالهمزة ، ثم فسرها ابن سيدة هذا التفسير العجيب . وهي واضحة في الطبري " متقاربين " بالباء . والسياق نفسه لا يدل إلا على صحة هذا وخطأ ما وقع في اللسان . وكلمة " القراءة " ستأتي في مخطوطة الطبري كثيرا بهذا الرسم ، ثم يغيرها مصححو المطبوعة " القراء " ، دون حاجة إلى هذا التغيير !