محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

البعضُ منها دون الجميع ، إذ كان معلومًا أن ألسنتها ولغاتِها أكثرُ من سبعة ، بما يُعْجَزُ عن إحصائه . فإن قال : وما برهانك على أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " نزل القرآن على سبعة أحرف " ، وقوله : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " ، هو ما ادَّعيتَ - من أنه نزل بسبع لغات ، وأمِرَ بقراءته على سبعة ألسُن - دون أن يكونَ معناهُ ما قاله مخالفوك ، من أنه نزل بأمر وزجر وترغيب وترهيب وقَصَص وَمثَل ونحو ذلك من الأقوال ؟ فقد علمتَ قائلَ ذلك من سلف الأمة وخيار الأئمة . قيل له : إنّ الذين قالوا ذلك لم يدَّعوا أن تأويلَ الأخبار التي تقدم ذكرُناها ، هو ما زعمتَ أنهم قالوه في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره ، فيكونَ ذلك لقولنا مخالفًا ، وإنما أخْبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف ، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجهٍ . والذي قالوه من ذلك كما قالوا . وقد رَوَينا - بمثل الذي قالوا من ذلك - عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من أصحابه ، أخبارًا قد تقدم ذكرُنا بعضها ، ونستقصى ذكر باقيها ببيانه ، إذا انتهينا إليه ، إن شاء الله . فأما الذي تقدم ذكرُناه من ذلك ، فخبر أبيّ بن كعب ، من رواية أبي كُريب ، عن ابن فضيل ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، الذي ذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرفٍ ، من سبعة أبواب من الجنة " . والسبعة الأحرف : هو ما قلنا من أنه الألسن السبعة . والأبواب السبعة من الجنة : هي المعاني التي فيها ، من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والقصص والمثَل ، التي إذا عَمل بها العامل ، وانتهى إلى حدودها المنتهى ، استوجب به الجنة . وليس والحمد لله في قول من قال ذلك من المتقدمين ، خلافٌ لشيء مما قلناه .