محمد بن جرير الطبري
469
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيبَ السماوات والأرض وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون . قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " - أي ، إنما أجبناك فيما علمتنا ، فأما ما لم تعلمنا فأنت أعلم به . فكان ما سمّى آدمُ من شيء ، كان اسمه الذي هو عليه إلى يوم القيامة ( 1 ) . وقال ابن جُريج بما : - 616 - حدثنا به القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جُريج ، قال : إنما تكلموا بما أعلمهم أنه كائن من خلق آدم ، فقالوا : " أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ؟ وقال بعضهم : إنما قالت الملائكة ما قالت : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " لأن الله أذن لها في السؤال عن ذلك ، بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بني آدم . فسألته الملائكة ، فقالت - على التعجب منها - : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم ؟ فأجابهم ربهم : إني أعلم ما لا تعلمون ، يعني : أن ذلك كائن منهم - وإن لم تعلموه أنتم - ومن بعض من ترونه لي طائعًا . يعرفهم بذلك قصور علمهم عن علمه ( 2 ) . وقال بعض أهل العربية : قول الملائكة : " أتجعل فيها من يفسد فيها " على غير وجه الإنكار منهم على ربّهم ، وإنما سألوه ليعلموا ، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون . وقال : قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يُعصَى الله ، لأن الجن قد كانت أمرتْ قبل ذلك فعصتْ . وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك ، فكأنهم قالوا : " يا رب خبرنا " ، مسألةَ استخبار منهم لله ، لا على وجه مسألة التوبيخ . قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه ، مخبرًا عن ملائكته قيلها له : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس
--> ( 1 ) الأثر : 615 - مضى صدره برقم : 600 . ( 2 ) الأثر : 616 - لم أجده في مكان .