محمد بن جرير الطبري
459
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
اطلع الله على ذلك منه ، فقال الله للملائكة : " إني جاعل في الأرض خليفة " . قالوا : ربنا ، وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرّية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا . قالوا : ربنا ، " أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحنُ نسبِّح بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون " . يعني من شأن إبليس . فبعث جبريلَ إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض : إني أعوذ بالله منك أن تنقُص مني أو تشينني . فرجع ، ولم يأخذ . وقال : ربِّ إنها عاذت بك فأعذْتُها . فبعث الله ميكائيل ، فعاذَت منه ، فأعاذها ، فرجع فقال كما قال جبريل . فبعث مَلَك الموت فعاذت منه ، فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره . فأخذ من وجه الأرض ، وخَلَط فلم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تُرْبة حمراء وبيضاء وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين . فصَعِد به ، فبلّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا - واللازبُ : هو الذي يلتزق بعضه ببعض - ثم ترك حتى أنتن وتغير ( 1 ) . وذلك حين يقول : ( مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) [ سورة الحجر : 28 ] . قال : منتن - ثم قال للملائكة : ( إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) [ سورة ص : 71 - 72 ] . فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عنه ، ليقول له : تتكبر عما عملت بيديّ ، ولم أتكبر أنا عنه ؟ فخلقه بشرًا ، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة : فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه . وكان أشدّهم منه فزعًا إبليس ، فكان يمر به فيضربه فيصوّت الجسدُ كما يصوّت الفخار وتكون له صلصلة ، فذلك حين يقول : ( مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ) [ سورة الرحمن : 14 ] ويقول لأمر ما خُلقت ! ودخل من فيه فخرج من دُبُره . فقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا ،
--> ( 1 ) في المطبوعة " حين أنتن " ، وصحته " حتى أنتن " ، كما في تاريخ الطبري ، وتفسير ابن كثير - فيما تبين في تخريجه .